إنفلات أمني وأزمة تأشيرات.. “واشنطن تخسر رهان المونديال”

رغم الوعود الكبيرة التي رافقت انطلاق كأس العالم 2026، تعيش البطولة خلال أيامها الأولى على وقع توالي الأزمات الأمنية التي حولت هذا العرس الكروي إلى محور انتقادات واسعة، دفعت الإعلام الأمريكي للاعتراف بأن “الولايات المتحدة الأمريكية قد خسرت رهان المونديال حتى قبل نهايته”.

وبين حوادث إطلاق النار، وعمليات السرقة، ومحاولات اقتحام الملاعب، فضلاً عن الارتفاع القياسي في أسعار التذاكر وتعقيدات الحصول على التأشيرات، وجد المونديال نفسه في قلب جدل عالمي متصاعد، وضع البلد المضيف أمام تساؤلات حقيقية بشأن قدرته على توفير الظروف المثالية لاحتضان هذا العرس العالمي.

وتأتي هذه الموجة الشرسة من الانتقادات في سياق كان يمني فيه رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، النفس بأن تكون هذه النسخة ضمن أفضل البطولات في التاريخ، غير أن أمنياته ارتطمت بواقع يسير نحو جعل هذه الدورة واحدة من الأكثر إثارة للجدل.

أمريكا خسرت رهان المونديال

وفي قراءة نقدية لاذعة لوضع البلد المضيف، جزمت الكاتبة الصحفية نانسي آرمور في مقال رأي نشرته صحيفة “يو إس إيه توداي”، بأن الولايات المتحدة الأمريكية “خسرت رهان المونديال مبكراً وقبل أن تُسدل الستار على مبارياته”، مرجعة ذلك إلى طغيان الانقسامات السياسية والحسابات التجارية الضيقة على الجو العام للبطولة.

وأوضحت آرمور أن أي نجاح ميداني قد يحققه المنتخب الأمريكي، أو أي إثارة قد تشهدها المستطيلات الخضراء من أهداف ولوحات فنية، لن يحجب “الصورة القاتمة” لبلد يغرق في مظاهر الجشع، ويتعامل مع محفل كروي عالمي يفترض أنه مساحة للتلاقي الإنساني، كمجرد فرصة استثمارية وتجارية جافة لتحقيق الأرباح المادية.

ثغرات أمنية.. سرقة “الأسود الثلاثة” وصدمة التايمز سكوير

واحتل الملف الأمني صدارة الإخفاقات بعد سلسلة من الأحداث، كان آخرها الانفلات الأمني الخطير الذي سُجل مساء يوم أمس الأحد بقلب مدينة نيويورك، وتحديداً في ساحة “تايمز سكوير”، إثر نشوب عراك عنيف بين مجموعة من الأشخاص نتج عنه تبادل لإطلاق النار؛ وهو المشهد الذي أثار حفيظة المشجعين الذين لم يخفوا استياءهم من غياب الطمأنينة والانتشار الأمني الفعال في المناطق السياحية الكبرى.

ولم تكن هذه الحادثة منفردة؛ إذ إنه وفور وصول بعثة المنتخب الإنجليزي إلى مدينة “كانساس سيتي”، وقع إطلاق نار بالقرب من مركز التدريب أسفر عن إصابة 9 أشخاص، مما أثار حالة من الرعب والقلق داخل المعسكر.

وتلقى المونديال ضربة موجعة أخرى بعد تعرض شحنة المعدات الخاصة بالمنتخب الإنجليزي للسرقة أثناء نقلها إلى مقر إقامتهم في “كانساس سيتي”، حيث صرحت بعثة “الأسود الثلاثة” باختفاء أحذية مخصصة لنجوم الفريق من طينة هاري كين وجود بيلينغهام، بالإضافة إلى معدات التحليل التكتيكي، مما كشف بوضوح عن تراخٍ غير مقبول في حماية ضيوف المونديال.

وبدورها، عاشت البطولة خلال المباراة الافتتاحية على وقع انفلات أمني خطير، عقب محاولات عدد كبير من المشجعين اقتحام الملعب، ما دفع القوات الأمنية للتدخل بشكل عنيف لاحتواء الموقف، وهو الحادث الذي حظي بانتشار إعلامي واسع فاق الاهتمام بالمباراة نفسها.

جنون الأسعار وعقدة التأشيرات.. مونديال الأثرياء فقط

وفي تفاصيل الأزمة الإدارية، سلطت الكاتبة الضوء على “مقصلة التأشيرات” التي طبعت المشهد، مستدلة بالتعامل الصارم مع المنتخب الإيراني الذي وجد نفسه مجبراً على نقل معسكره الإعدادي إلى المكسيك في الرمق الأخير، وحُرم من الاستقرار في الأراضي الأمريكية رغم خوضه مبارياته الرسمية هناك، فضلاً عن تقليص كوتة التذاكر المخصصة لمشجعيه، وهي إجراءات اعتبرتها تجسيداً لسياسة الأبواب المغلقة.

ولم تتوانَ آرمور في توجيه أصابع الاتهام إلى الخطاب السياسي الرسمي، حيث ربطت بين المناخ المقيد للبطولة وتصريحات الرئيس دونالد ترامب، الذي أكد فيها أن بلاده حريصة على انتقاء ودخول “الأشخاص المناسبين فقط” لحضور كأس العالم، وهو الموقف الذي اعتبرته الكاتبة مؤشراً صارخاً على تحويل المونديال من حدث كوني مفتوح إلى تظاهرة مشروطة ومحكومة بهواجس الإقصاء والقيود المشددة.

وبعيداً عن الانفلات الأمني، أجمعت الجماهير العالمية على أن هذا المونديال هو الأغلى في التاريخ، إذ بلغت أسعار التذاكر في بعض الفئات مستويات خيالية فاقت كل التوقعات، تزامناً مع قفزات جنونية في أسعار الفنادق ورحلات الطيران الداخلي.

ولم يكن الارتفاع الصاروخي في الأسعار هو الحاجز الوحيد أمام الجماهير؛ بل تزامن هذا الطوق المالي مع عائق “التأشيرات” التي خلقت ضجة كبيرة في الآونة الأخيرة بسبب الإجراءات الإدارية الصارمة والقيود الأمنية المشددة للإدارة الأمريكية، مما حرم آلاف المشجعين من مختلف دول العالم من مرافقة منتخباتهم.

ولم تقتصر الأزمة على الجماهير فحسب، بل إن السلطات الأمريكية صعبت مسألة دخول المسؤولين، والحكام الدوليين (مثل الحكم الصومالي عمر أرتان)، وحتى بعض لاعبي المنتخبات، مما جعل البطولة تفتقد لأبرز قيمها وهي التنوع الثقافي والتعددية التي طالما ميزت هذا المحفل العالمي.

Views: 0

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.