سجلت الجهات الجنوبية للمملكة نسب مشاركة مرتفعة في الانتخابات التشريعية لسنة 2026، مقارنة بالمعدل العام للمشاركة، في معطيات أعلنها وزير الداخلية، صباح الخميس، عقب إغلاق مكاتب التصويت وانطلاق عملية فرز الأصوات.
وبلغت نسبة المشاركة 77 في المائة بجهة العيون الساقية الحمراء، و61 في المائة بجهة الداخلة وادي الذهب، فيما وصلت إلى 53.48 في المائة بجهة كلميم واد نون، في أرقام تعيد إلى الواجهة الخصوصية الانتخابية للأقاليم الجنوبية، التي تعرف عادة معدلات مشاركة تفوق المتوسط الوطني.
وتأتي هذه النتائج بعد أن سجلت الجهات الجنوبية بدورها نسب مشاركة مرتفعة خلال الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية التي جرت في 8 شتنبر 2021، إذ بلغت المشاركة 66.94 في المائة بجهة العيون الساقية الحمراء، و58.30 في المائة بجهة الداخلة واد الذهب، و63.76 في المائة بجهة كلميم واد نون، مقابل 50.18 في المائة على المستوى الوطني، وفق المعطيات التي أعلنتها وزارة الداخلية آنذاك.
وبالمقارنة مع انتخابات 2021، ارتفعت نسبة المشاركة في 2026 بجهة العيون الساقية الحمراء بأكثر من عشر نقاط مئوية، كما سجلت جهة الداخلة وادي الذهب ارتفاعا يقارب ثلاث نقاط، في حين عرفت جهة كلميم واد نون تراجعا مقارنة بالنسبة المسجلة قبل خمس سنوات. وتظهر هذه المعطيات استمرار التفاوت في مستويات المشاركة بين الجهات الجنوبية نفسها، رغم اشتراكها في الخصوصية السياسية والجغرافية المرتبطة بقضية الصحراء.
وفي قراءة لهذه الأرقام، قال عبد العالي سرحان، الباحث في العلوم السياسية وملف الصحراء، في تصريح لجريدة “ القضية بوست” الإلكترونية، إن نسب المشاركة المرتفعة في الأقاليم الجنوبية خلال الانتخابات التشريعية 2026 تكشف عن “خصوصية سياسية” لا يمكن فصلها عن سياق نزاع الصحراء، موضحا أن الانتخابات في هذه المنطقة لا تجري داخل سياق انتخابي عادي تماما، وإنما في مجال يحمل رهانات سيادية وإقليمية ودولية متداخلة.
وأضاف سرحان أن المشاركة بـ77 في المائة في جهة العيون الساقية الحمراء، و61 في المائة في الداخلة وادي الذهب، و53.48 في المائة في كلميم واد نون، تعكس حضورا انتخابيا قويا للمواطنين داخل المؤسسات التمثيلية، وتكتسب في هذا السياق دلالة سياسية تتجاوز مجرد الإقبال على صناديق الاقتراع.
وأوضح الباحث أن هذا الارتفاع لا ينبغي قراءته فقط باعتباره نتيجة لتعبئة حزبية أو انتخابية ظرفية، بل يمكن أن يعكس أيضا خصوصية العلاقة بين المجال المحلي والمؤسسات السياسية في منطقة تحضر فيها قضية الصحراء بقوة في النقاش العام.
وأشار إلى أن المشاركة الانتخابية يمكن أن تؤدي وظيفة مزدوجة، تتمثل من جهة في اختيار ممثلين محليين للترافع حول المصالح الاقتصادية والاجتماعية للساكنة، ومن جهة أخرى في ترسيخ حضور التمثيل المؤسساتي في منطقة توجد في قلب نزاع إقليمي، معتبرا أن صناديق الاقتراع تصبح، في هذا السياق، إحدى الواجهات التي تظهر من خلالها درجة انخراط السكان في المسار المؤسساتي المغربي.
في المقابل، شدد سرحان على أن الأرقام لا تسمح بالتعامل مع الأقاليم الجنوبية باعتبارها كتلة انتخابية متجانسة، مبرزا أن الفارق بين 77 في المائة في العيون الساقية الحمراء و53.48 في المائة في كلميم واد نون يتجاوز 23 نقطة مئوية.
واعتبر أن هذا الفارق لا يمكن تفسيره فقط بالعامل المرتبط بقضية الصحراء، إذ إن هذا العامل وحده لا يكفي لتفسير اختلاف مستويات المشاركة بين الجهات الثلاث، مشيرا إلى حضور عوامل أخرى من قبيل طبيعة المنافسة المحلية، وقوة التنظيمات الحزبية، والعلاقات الاجتماعية والقبلية، والرهانات التنموية، وانتظارات الناخبين من ممثليهم.
ومن زاوية سياسية، يرى الباحث أن المشاركة المرتفعة تكتسب أهمية إضافية لأنها توسع قاعدة الشرعية الانتخابية للمؤسسات المنبثقة عن الاقتراع في هذه الجهات، إذ إن مشاركة عدد كبير من الناخبين في اختيار ممثليهم تجعل نتائج الدوائر قابلة للقراءة باعتبارها نتاجا لمشاركة جماهيرية واسعة، وليس فقط نتيجة لقدرة شبكات حزبية محدودة على التعبئة.
غير أن سرحان نبه إلى أن هذه الدلالة لا ينبغي أن تتحول إلى استنتاج بشأن مواقف جميع المشاركين من قضية الصحراء، مؤكدا أن المشاركة في الانتخابات لا تحمل بالضرورة دافعا سياسيا واحدا، وقد تجتمع داخل النسبة نفسها اعتبارات وطنية ومحلية واجتماعية واقتصادية مختلفة.
وتبرز مقارنة أرقام 2026 بنتائج 2021 أن العيون الساقية الحمراء حافظت على موقعها كإحدى الجهات الأعلى مشاركة، مع انتقال النسبة من 66.94 في المائة إلى 77 في المائة، بينما ارتفعت المشاركة في الداخلة وادي الذهب من 58.30 إلى 61 في المائة، في وقت تراجعت في كلميم واد نون من 63.76 إلى 53.48 في المائة.
Views: 0