بينما تتجه الأنظار نحو بطولة كأس العالم 2030 حيث يستعد المغرب لاستضافة البطولة بشكل مشترك مع كل من إسبانيا والبرتغال، تخوض المملكة واحداً من أكبر الأوراش التنموية في تاريخها الحديث، ففي الوقت الذي ينظر فيه إلى هذا الحدث الكروي العالمي باعتباره فرصة تاريخية لتسريع عجلة النمو وتطوير البنية التحتية، تطرح في المقابل تساؤلات ملحة حول مدى قدرة المالية العامة على تحمل ضغوط الاستثمارات الضخمة وضمان التوازن بين الطموح التنموي والانضباط المالي.
وبحسب تقرير صادر عن وكالة التصنيف الائتماني “فيتش”، فإن الإنفاق المرتبط بهذه المشروعات يفرض ضغوطاً إضافية على المالية العامة، خصوصاً مع استمرار ارتفاع الإنفاق الرأسمالي الحكومي خلال السنوات التي تسبق تنظيم كأس العالم.
وأوضح التقرير ذاته أن تنظيم المملكة المغربية لبطولة كأس العالم 2030 قد يضع المالية العامة تحت مخاطر ملموسة في حال تجاوز التكاليف التقديرات، أو الحاجة إلى زيادة الدعم الحكومي، أو تراكم الالتزامات المحتملة التي قد تتحول في نهاية المطاف إلى أعباء مباشرة على الميزانية السيادية.
وأكد التقرير أن المملكة أطلقت برنامجاً واسعاً للاستثمار في البنية التحتية استعداداً لاستقبال البطولة سنة 2030، يشمل ملاعب ومطارات وشبكات نقل وطرقاً سريعة وفنادق؛ غير أن التقرير أشار إلى أن الجزء الأكبر من هذا التمويل لن يمر عبر ميزانية الدولة مباشرة، بل عبر المؤسسات العمومية والشركات المملوكة للدولة، إضافة إلى الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
غير أن التقرير شدد على أن الخطر الأكبر يكمن في احتمال أن تضطر الدولة إلى التدخل لدعم المؤسسات العمومية المكلفة بتنفيذ هذه المشاريع، أو أن تتحول الالتزامات المالية لهذه الكيانات والتي تبقى اليوم “خارج الميزانية” إلى دين مباشر على عاتق الخزينة العامة، فيما يسمى بـ “الالتزامات المحتملة”؛ وهي التزامات لا تظهر في الحسابات الرسمية اليوم، لكنها قد تثقل كاهل الدولة في وقت لاحق إذا ساءت الظروف.
وأشار التقرير إلى أن هذا الورش الضخم يتزامن مع سياق مالي يستدعي اليقظة، خصوصاً مع الضغوط المالية المرتبطة بتداعيات أزمة مضيق هرمز وتأثيرها على فاتورة الطاقة، والتي رفعت عجز الميزانية المتوقع إلى 4% من الناتج الداخلي الخام لسنة 2026. كما أشار إلى أن الدين العمومي، رغم استقراره النسبي، يظل مرتفعاً مقارنة بالدول المصنفة في نفس الفئة الائتمانية (‘+BB’)، إذ يقارب 67% من الناتج الداخلي الخام.
وبالتالي، فإن نجاح المغرب في تحويل استحقاق 2030 إلى رافعة تنموية حقيقية دون أن يتحول إلى عبء على المالية العامة، سيتوقف إلى حد كبير على قدرة الدولة على ضبط التكاليف، وحوكمة المؤسسات المكلفة بالمشاريع، والحفاظ على الانضباط المالي الذي دأبت عليه السلطات في السنوات الأخيرة بغض النظر عن نتائج الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، كما تشير “فيتش” نفسها.
وفي مقابل هذه المخاطر، أكد المصدر ذاته على أن هذه البطولة ستكون ذات عائدات مالية واقتصادية مهمة بالنسبة للمملكة، حيث يُتوقع أن يمثل المونديال محركاً محتملاً لعدة قطاعات حيوية، يتقدمها قطاع البناء والأشغال العمومية الذي سيستفيد من موجة مشاريع كبرى تمتد لسنوات، مع توقعات إيجابية بأن يعرف سوق الشغل حركية مهمة سواء في القطاعات المرتبطة بالأوراش الرياضية مباشرة أو غير المباشرة.
بالإضافة إلى القطاع السياحي الذي يراهن عليه المغرب ليكون رافعة للعملة الصعبة، مع توقعات بأن يشهد القطاع دفعة إضافية بفعل الإشعاع الإعلامي والبنية التحتية الجديدة التي أضحى يتوفر عليها المغرب، في حين سيكون التحدي الأكبر مرتبطاً بالاستثمار الأجنبي المباشر، الذي قد يجد في هذه الاستعدادات فرصة لدخول السوق المغربية أو التوسع فيها.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن الانتخابات التشريعية التي يستعد لها المغرب لن تغير نتائجها تغيير جوهرياً في اتجاه السياسة الاقتصادية للمملكة، مع توقعات بأن تواصل السلطات التركيز على ضبط أوضاع المالية العامة بغض النظر عن تركيبة الحكومة المقبلة، مع الإشارة إلى أن الاستياء الاجتماعي الأخير بشأن أولويات الإنفاق يبرز خطر أن تؤدي المطالب بزيادة الإنفاق الاجتماعي إلى رفع الإنفاق الميزانياتي فوق السيناريو الأساسي لـ “فيتش”.
Views: 0