كشف تقرير صادر عن مركز “ستيمسون” للأبحاث والدراسات الاستراتيجية (The Stimson Center) في واشنطن، أن المغرب برز كجسر محوري بين أوروبا وإفريقيا وفضاء البحر الأبيض المتوسط، مستفيدا من سياساته الصناعية، وتكامله التجاري، ودبلوماسيته الاستراتيجية لإعادة تموقعه كقوة متوسطة صاعدة”.
وتابع التقرير، الذي اطلعت عليه جريدة “ القضية بوست″، أن إنجازات المغرب في مجالات صناعة السيارات، والمعادن الاستراتيجية، والطاقات المتجددة تعكس “تحولا نحو اندماج اقتصادي ذي قيمة مضافة أعلى، في حين تهدف إصلاحات اجتماعية ورقمية طموحة إلى ضمان نمو طويل الأمد”.
واستدرك التقرير أن “التحديات البنيوية، مثل بطالة الشباب، وندرة المياه، واستمرار التفاوتات المجالية، ما تزال تختبر مدى صلابة هذا المسار”، مشيرا إلى استمرار التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالصحراء المغربية والتنافس مع الجزائر، مشيرا إلى أن “قدرة المغرب على تحويل زخمه الحالي إلى تنمية شاملة وقادرة على الصمود ستحدد موقعه داخل نظام إقليمي يزداد تنافسية”.
وأبرز التقير أن المغرب دخل سنة 2026 باعتباره “قوة متوسطة متقدمة تحتل موقعا بنيويا فريدا عند تقاطع المجالات الأطلسية والمتوسطية والساحلية الإفريقية”، مفيدا أنه “لم يعد مجرد دولة عازلة لإدارة الهجرة نحو أوروبا، بل تحول إلى فاعل إقليمي استباقي وركيزة استقرار عند ملتقى أوروبا وإفريقيا”.
وأكد مركز “ستيمسون” للأبحاث والدراسات الاستراتيجية أنه تحت قيادة الملك محمد السادس، استثمر المغرب موقعه الجغرافي لتسهيل التجارة والاستثمار والتعاون الأمني عبر القارات، معيدا بذلك تشكيل البنية الاستراتيجية للمغرب الكبير من خلال ما وصفه محللون بـ”التعاملات الاستراتيجية”، أي سياسة خارجية تقوم على مواءمة منضبطة للمصالح، بما يضمن الدعم الدبلوماسي والاقتصادي مقابل تقديم التعاون بشأن الأولويات المشتركة.
وحلل التقرير التحول الجاري في المغرب من منصة تصنيع منخفضة التكلفة إلى مُصدّر صناعي عالي التكنولوجيا، ورائد في مجال الطاقة الخضراء، ومركز ناشئ لمواد البطاريات، إضافة إلى تقييمه النموذج التنموي الجديد الذي أُطلق سنة 2021 في مواجهة الهشاشة البنيوية المستمرة التي تحد من فعاليته.
وأورد المركز أنه بينما أصبح المغرب أكبر مُصنّع للسيارات في إفريقيا، ويمتلك احتياطيات ضخمة من الفوسفاط، وطرح نفسه بجدية كقائد في مجال الطاقات المتجددة، فإنه يواجه في المقابل تحديات حاسمة، أبرزها الندرة التاريخية للمياه، وارتفاع بطالة الشباب بشكل مزمن، واتساع الاقتصاد غير المهيكل، واستمرار الجمود الجيوسياسي المرتبط بقضية الصحراء المغربية، التي تؤثر في مختلف أبعاد سياسته الخارجية تقريبا.
وأشار إلى أن ثلاثة مسارات متداخلة تحدد ملامح المرحلة الراهنة في المغرب، مفيدا أن أولها التحول الاقتصادي، حيث أدى صعود منظومات متكاملة لصادرات السيارات والطيران والمعادن الاستراتيجية إلى تغيير ملموس في موقع المغرب داخل سلاسل التوريد العالمية، مع استقطاب استثمارات أوروبية وخليجية متواصلة، وتموقع البلاد كوجهة مفضلة لإعادة توطين الصناعات بالقرب من الأسواق الأوروبية، في ظل سعي الغرب إلى تقليص اعتماده على سلاسل التوريد الصينية.
أما المسار الثاني، يضيف التقرير فهو “التماسك الاجتماعي، إذ يُعد إصلاح الحماية الاجتماعية لسنة 2021، الذي وسّع التغطية الصحية والتعويضات العائلية لتشمل جميع السكان، أكبر ورش للسياسات الداخلية منذ جيل كامل، رغم أن استدامته المالية تظل رهينة بمستوى المداخيل العمومية وخلق فرص الشغل البنيوية”.
ويتمثل المسار الثالث، بحسب المصدر ذاته، في “إعادة التموضع الدبلوماسي”، حيث شكّل تطبيع العلاقات مع إسرائيل في إطار “اتفاقات أبراهام” سنة 2020، ثم قرار مجلس الأمن سنة 2025 الداعم لمقترح الحكم الذاتي بالصحراء المغربية، “مكسبين متعددي الأطراف مهمين، غير أن التوصل إلى تسوية دائمة مع الجزائر ما يزال بعيد المنال”.
ويجمع هذا التقرير معطيات صادرة عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووكالات الأمم المتحدة ومراكز أبحاث رائدة، بهدف رسم خريطة للبنيات التنموية والجيوسياسية الأساسية للمغرب، وتحديد التوترات البنيوية بين طموحاته الإصلاحية وقيوده المؤسساتية، ووضع دور المملكة في سياقها كفاعل محوري داخل منطقة تزداد تنافسا وتنازعا.
Views: 0