شهد السوق السياحي البولندي بالمغرب تطوراً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، فبعد استقبال 80 ألفاً و125 سائحاً بولندياً فقط سنة 2019، يُتوقع أن يتجاوز عدد السياح البولنديين 250 ألف سائح بحلول نهاية سنة 2026، مع تسجيل ارتفاع في عدد الوافدين البولنديين إلى المغرب بنحو 40%، وهو رقم قياسي تاريخي جديد.
واستعاد المغرب تدريجياً زخمه السياحي في السوق البولندية بدءاً من سنة 2023 باستقباله 94 ألفاً و355 زائراً، بزيادة بلغت آنذاك 18% مقارنة بسنة 2019 المرجعية قبل جائجة “كوفيد 19″، كما شكلت سنة 2024 نقطة تحول حقيقية، إذ ارتفع فيها عدد السياح البولنديين إلى 152 ألفاً و933 سائحاً، بزيادة قدرها 62% في عام واحد، قبل أن يصل العدد إلى 193 ألفاً و137 زائراً سنة 2025، مسجلاً نمواً إضافياً بنسبة 26%.
وفي المجمل، ارتفع عدد السياح البولنديين الوافدين إلى المغرب خلال السنوات الست التي أعقبت جائحة “كوفيد19” بأكثر من 113 ألف سائح، أي بنمو إجمالي يقارب 141%.
المغرب يلبي جل تطلعات السائح البولندي
وفي قراءته لهذه المعطيات، أكد الخبير في القطاع السياحي، الزبير بوحوت، أن هذا التطور يبرز تزايد جاذبية المملكة لدى شريحة آخذة في التوسع من السياح الأوروبيين، كما يعكس الأثر الإيجابي للجهود المبذولة في مجال تعزيز الربط الجوي، والترويج الدولي، وتنويع الأسواق المصدرة للسياح.
وأفاد المتحدث ذاته، في تصريح لجريدة “ القضية بوست″، بأن هذا التسارع يأتي في سياق اتجاه أوسع يتمثل في بروز بولندا كواحدة من أكثر الأسواق الأوروبية دينامية في تصدير السياح، فبعد أن سجل البولنديون نحو 14.8 مليون رحلة دولية سنة 2019، ارتفع العدد إلى حوالي 16.4 مليون رحلة إلى الخارج خلال سنة 2024، مُتجاوزاً مستويات ما قبل الجائحة.
الزيادة في أعداد السياح البولنديين ليست كمية فحسب، إذ شهد السوق البولندي تحولاً نوعياً مهماً، وفقاً لبوحوت، إذ أصبح السائح البولندي أكثر ارتباطاً بالوسائل الرقمية، وأكثر استقلالية في التخطيط لرحلاته، مع تزايد اهتمامه بالتجارب السياحية المتميزة، مُضيفاً أن نفقات البولنديين على السياحة الدولية بلغت نحو 11 مليار دولار سنة 2024، مقابل حوالي 8.5 مليارات دولار سنة 2019، وهو ما يؤكد بروز فئة من المسافرين تتمتع بقدرة إنفاق أكبر وتبحث عن خدمات وتجارب ذات جودة أعلى.
واعتبر الخبير أن المغرب يستفيد بشكل كبير من هذه الدينامية الجديدة بفضل توافق عرضه السياحي مع تطلعات المسافر البولندي؛ “المملكة تلبي أبرز تطلعات هذه الفئة، من خلال توفير الشمس، والأصالة، والأمن، والثقافة، والطبيعة، وتنوع التجارب السياحية. كما تُعد المدن العتيقة، والصحراء، والسواحل، وفن الطبخ المغربي، والجولات الثقافية، والإقامة في الرياضات التقليدية، من أبرز عناصر التميز التي تعزز قدرة المغرب على المنافسة أمام الوجهات الأخرى”.
غير أن بوحوت يرى أن عامل الربط الجوي يظل المحرك الأساسي لهذا النمو؛ “ساهم تعزيز الرحلات المباشرة بين بولندا والمغرب في تقليص صعوبات الوصول، وتحسين حضور الوجهة المغربية، وتسهيل تسويقها من قبل شركات الطيران، ومنظمي الرحلات، والمنصات الرقمية. كما سيظل الحفاظ على هذا الزخم عاملاً حاسماً لبلوغ مستويات أعلى من الوافدين خلال السنوات المقبلة”.
نمو استثنائي لكنه قطرة في بحر
لكن رغم هذا النمو الاستثنائي، لا يزال المغرب بعيداً عن استغلال الإمكانات الكاملة للسوق البولندي. ففي الوقت الذي قام فيه البولنديون بحوالي 16.4 مليون رحلة دولية سنة 2024، لم يستقبل المغرب سوى 152 ألفاً و933 سائحاً بولندياً خلال العام نفسه؛ و”بالتالي، فإن السياح المتجهين إلى المغرب يمثلون أقل من 1% من إجمالي الرحلات الخارجية التي يقوم بها البولنديون، ما يعني أن المملكة لا تستقطب سوى جزء محدود من سوق يشهد توسعاً متسارعاً”.
وأضاف بوحوت أن هذا الواقع يمثل فرصة استراتيجية مهمة للسياحة المغربية، إذ لا تزال آفاق النمو كبيرة، خاصة في الفئات ذات القيمة المضافة العالية، مثل العائلات، والأزواج، وكبار السن النشطين، والمسافرين الأفراد، والسياح ذوي الإنفاق المرتفع.
“لتعزيز حضورها في هذا السوق، سيكون على المملكة مواصلة جهودها عبر توجيه حملات تواصل أكثر استهدافاً للسوق البولندي، وتعزيز حضورها الرقمي، وتوسيع شراكاتها مع الفاعلين المحليين، وتطوير منتجات سياحية تلائم خصوصيات هذه الفئة” يضيف الخبير.
غير أن المغرب ينافس في بيئة قوية تضم وجهات بارزة مثل تركيا، التي تستفيد من نجاح نموذج “الإقامة الشاملة” (All Inclusive)، إلى جانب اليونان، وإسبانيا، وإيطاليا، ومصر. ولزيادة حصته من هذا السوق، سيتعين على المملكة مواصلة إبراز عناصر تميزها، وعلى رأسها الأصالة، والتنوع الثقافي، وجودة الاستقبال، والقدرة على تقديم تجارب سياحية فريدة.
Views: 0