سلطت دراسة علمية حديثة الضوء على الأعطاب التي تعانيها سياسة المدن والتخطيط الحضري المغربية، مبرزة أن المغرب لا يتوفر على سياسة حضرية حقيقية، وأن هاجس الإسكان طغى على تخطيط المدن، ما أفرز العديد من الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية.
هذه الفرضية شكلت منطلقاً للدراسة الصادرة على “دليل أكسفورد للاقتصاد المغربي”، التي حاولت استكشاف مستقبل التنمية الحضرية بالمغرب، وتحديات الحكامة والتخطيط والسياسات العمومية التي ترسم ملامح المدن المغربية. متطرقة في الوقت ذاته إلى الحاجة لسياسة حضرية وطنية منسجمة تأخذ في عين الاعتبار التعقيد المتزايد في تدبير الشأن الحضري، والتحول نحو مشاريع تنموية كبرى واسعة النطاق.
وفي التفاصيل، أوضحت خديجة كريبي، إحدى مؤلفات هذا الفصل من الدليل، أن المغرب واجه بعد الاستقلال تحديات متعددة، كان من أبرزها إعادة الإسكان، ولذلك اختار في مرحلة معينة التركيز على إنجاز مشاريع سكنية كبرى، ونتيجة لذلك، تم إغفال كيفية بناء المدينة، لأن المدينة لا يمكن أن تقوم على السكن وحده.
وأضافت الخبيرة ذاتها أنه: “عندما نتحدث عن سياسة حضرية، فإن ذلك يفترض وجود ثلاثة مرتكزات أساسية. أولها الرؤية، أي كيف نريد أن تكون المدينة، وكيف نتصورها من حيث شكلها وأبعادها الاجتماعية والاقتصادية وغيرها. وثانيها الإطار القانوني والمؤسساتي الذي يدعم هذه الرؤية. أما المرتكز الثالث فهو وسائل تنفيذ هذه الرؤية على أرض الواقع”.
وتابعت: “في مرحلة ما فقدنا هذا التوازن، وانصب الاهتمام بشكل كبير على السكن. ويكفي أن نرجع إلى نتائج الإحصاءات العامة للسكان لندرك أن هناك مدناً بكاملها تكاد تتكون حصراً مما يسمى بـ”المنزل المغربي الحديث”، أي السكن من طابق أرضي وطابق أول. غير أن المدينة لا يمكن أن تُبنى اعتماداً على نمط عمراني واحد فقط”.
وشددت كريبي على أنه من غير الممكن إنشاء مدينة من دون وظيفة اقتصادية، ولا من دون مرافق حضرية، أو مراكز حضرية، أو فضاءات عمومية صديقة للمواطنين، وغيرها من المكونات الأساسية.
وفي المقابل، أوضحت أن السياسة الحضرية كانت موجودة في بعض المراحل من تاريخ المغرب؛ “لكن المغرب وجد نفسه في كثير من الأحيان أمام تحديات مستعجلة فرضت عليه التعامل بمنطق الاستعجال. واليوم، يبدو ضرورياً العودة إلى معالجة المدينة من خلال تدخلات أكثر قرباً، سواء عبر تهيئة الفضاءات العمومية أو إنجاز مشاريع حضرية كبرى، رغم ما تثيره هذه المشاريع من تساؤلات”.
ولفتت إلى أن عملية بناء المدينة اليوم، والأدوات المتاحة لتحقيقها، ما تزال محدودة للغاية، وهو ما يدركه جميع الفاعلين في هذا المجال. فالأدوات المعتمدة تقتصر أساساً على التجزئات السكنية، والمجموعات السكنية، وتقسيم الأراضي؛ “وعندما نريد إنشاء مدينة جديدة، فإننا نلجأ إلى الآليات نفسها التي تُستخدم لإنجاز حي صغير أو تجزئة سكنية محدودة، وهو ما يشكل إشكالاً حقيقياً”.
وخلصت إلى أنه يمكن القول إن هناك اليوم حاجة ملحة إلى إعادة التفكير في النموذج الذي يعتمد عليه المغرب في بناء مدنه، والانتقال من نموذج كان فيه السكن والإسكان المحرك الرئيسي للسياسات الحضرية إلى نموذج أشمل وأكثر تكاملاً.
Views: 0