يثقل ارتفاع أسعار الأدوية كاهل المرضى والأسر المغربية، في ظل نفقات صحية مباشرة تزداد كلما ارتفعت كلفة العلاج، خصوصا بالنسبة إلى المصابين بأمراض مزمنة أو ممن يحتاجون إلى أدوية باهظة الثمن، إذ لا تتوقف تداعيات هذا الغلاء عند قدرة المريض على اقتناء دوائه، بل تمتد إلى التأثير على توازن ميزانية الأسرة وإلى كلفة التغطية الصحية، بما يجعل أسعار الأدوية في مقدمة العبء المالي المرتبط بالعلاج.
ملف غلاء الأدوية يحضر في البرامج الانتخابية للأحزاب المشاركة في استحقاقات 23 شتنبر، وإن اختلفت مقارباتها في التعامل معه، فبينما تدعو بعض البرامج إلى مراجعة أسعار الأدوية وتحيين جداول التعويض الصحي، تدرج أخرى كلفة الدواء ضمن إجراءات أوسع تستهدف تعزيز القدرة الشرائية وتوسيع التغطية الصحية، في ظل استمرار النقاش حول السبل الكفيلة بتخفيف كلفة العلاج على المواطنين.
وفي هذا السياق، أوضح الطبيب الباحث في السياسات والنظم الصحية، الطيب حمضي، في اتصال مع جريدة “ القضية بوست″، أن الإشكال يرتبط أساسا بضعف المراجعة الدورية للأسعار، ومحدودية استعمال الأدوية الجنيسة، فضلا عن ارتفاع كلفة بعض الأدوية المستوردة وضعف القدرة التفاوضية للسوق الوطنية، وفي المقابل يقترح مراجعة منظومة التسعير، عبر تسريع دخول البدائل الجنيسة، واعتماد الشراء المجمع، وتعزيز الصناعة الدوائية المحلية، إلى جانب تقوية دور الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية وترسيخ مزيد من الشفافية، بما يضمن دواء آمنا وفعالا بسعر يتناسب مع القدرة الشرائية للمواطن ويحافظ على استدامة منظومة الحماية الصحية.
غلاء الأدوية يثقل كاهل الأسر
وأكد حمضي أن ارتفاع أسعار الأدوية في المغرب لا يمس المريض وحده، بل ينعكس أيضا على ميزانيات الأسر وصناديق التأمين الصحي، باعتبار أن المواطن “يتحمل جزءا مهما من نفقاته الصحية من ماله الخاص”، فيما تمول صناديق التأمين أساسا من اشتراكات المواطنين والموظفين والأجراء، إلى جانب مساهمة الدولة في بعض الأنظمة التضامنية، موضحا أن الأدوية تستحوذ على حصة مرتفعة من النفقات الصحية، وقد تستهلك قرابة “30 في المائة من ميزانية التأمين الإجباري عن المرض، ما يرفع النفقات المباشرة للأسر ويحد من قدرة الصناديق على تحسين نسب التعويض وتوسيع الخدمات الصحية”.
ويضيف أن هذا الوضع قد يؤدي إلى عواقب مباشرة على المرضى، من بينها “العجز عن استكمال العلاج أو تأجيل اقتناء الدواء وتقليص الجرعات، خصوصا بالنسبة إلى المصابين بالأمراض المزمنة والمكلفة”، مشددا على ضرورة التمييز بين حجم سوق الأدوية المغربي، الذي يظل محدودا مقارنة بالأسواق الكبرى، وبين حصة الأدوية من مجموع النفقات الصحية، التي تبقى بحسبه مرتفعة بالنسبة إلى الأسر وصناديق التأمين، وهكذا فإن غلاء الأدوية “لا يمثل مشكلة تجارية فقط، بل يستنزف الموارد الصحية ويؤثر في استدامة منظومة الحماية الاجتماعية”.
اختلالات التسعير وغياب الأدوية الجنيسة
يكشف الباحث أن أسباب ارتفاع أسعار الأدوية ترجع أساسا إلى ضعف المراجعة الدورية للأسعار، إذ تستمر بحسبه بعض المنتجات في السوق بالأسعار نفسها لسنوات، رغم انخفاض تكلفتها أو ظهور بدائل جنيسة أرخص، ويوضح أن نظام تحديد أسعار الأدوية، القائم على مقارنة الأسعار في مجموعة من الدول المرجعية، “يطرح إشكالات بسبب اختلاف مستويات الدخل والقدرة الشرائية ونسب التغطية والتعويض بين المغرب وهذه الدول، لذلك من المفروض الاعتماد على معايير تأخذ بعين الاعتبار القدرة الشرائية للمواطن، ومستويات الأجور والدخل، والتكلفة الحقيقية للدواء، وحجم السوق الوطنية، والأسعار المعتمدة في دول مماثلة للمغرب اقتصاديا واجتماعيا”.
ويشير حمضي أيضا إلى أن ضعف استعمال الأدوية الجنيسة يساهم في استمرار ارتفاع الإنفاق، رغم “احتوائها من حيث المبدأ، على المادة الفعالة نفسها الموجودة في الدواء الأصلي”، ويربط محدودية استعمالها بضعف ثقة بعض المرضى، ونقص التوعية، واستمرار وصف الأدوية بأسمائها التجارية، إلى جانب أن طول مدة حماية بعض الأدوية الأصلية يؤخر دخول البدائل الجنيسة إلى السوق، داعيا إلى تحقيق “توازن بين حماية الابتكار وضمان حق المواطنين في الحصول على العلاج بأسعار معقولة”.
ويضيف المتحدث نفسه أن الاعتماد على الاستيراد يمثل عاملا آخر في ارتفاع كلفة عدد من العلاجات، خصوصا “الأدوية المتطورة والمكلفة”، مثل أدوية السرطان والعلاجات البيولوجية وأدوية الأمراض النادرة وبعض الأمراض المزمنة المعقدة، لأن ارتباط السوق بالمختبرات الدولية وتقلبات أسعار الصرف وتكاليف الاستيراد والتوزيع “يضعف القدرة الوطنية على التحكم في الأسعار والتفاوض بشأنها”، كما أن صغر حجم السوق المغربية مقارنة بالأسواق الكبرى يحد، بحسبه، من القوة التفاوضية للدولة، وهو ما يجعل تجميع الطلبات والشراء بكميات كبيرة من الآليات الممكنة للحصول على أسعار وشروط أفضل.
إصلاح منظومة الدواء وتعزيز السيادة الدوائية
وفي ما يتعلق بالحلول، يؤكد الطيب حمضي أن مواجهة غلاء الأدوية تستدعي “مراجعة عاجلة لنظام تحديد الأسعار”، مع اعتماد آلية دورية تسمح بخفض الأسعار كلما تغيرت ظروف السوق أو انتهت مدة حماية الدواء الأصلي أو دخلت أدوية جنيسة منافسة، داعيا إلى تسريع دخول الأدوية الجنيسة إلى السوق بعد انتهاء الحماية القانونية، ومنع الممارسات التي تؤدي إلى تمديد الاحتكار بصورة غير مبررة، مشددا في السياق ذاته على تعزيز دور الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية في “تقييم الأدوية ومراقبة جودتها وسلامتها وفعاليتها وأسعارها وتوفرها، وتمكينها من الموارد البشرية والتقنية والمالية اللازمة”.
كما أشار إلى ضرورة دعم الصناعة الدوائية المحلية لتشمل الأدوية البيولوجية والعلاجات المبتكرة والمنتجات ذات القيمة المضافة العالية، من خلال “الحوافز الاستثمارية ودعم البحث والتطوير ونقل التكنولوجيا والشراكات بين الجامعات والمختبرات والمصانع”، إلى جانب مراجعة “السياسة الجبائية المرتبطة بالأدوية والمواد الأولية والمعدات المستعملة في صناعتها”، بما يساهم في خفض التكلفة النهائية وتشجيع الإنتاج المحلي، مع ضرورة ربط دعم المنتج الوطني بمعايير الجودة والفعالية والسلامة والسعر التنافسي.
ويختم حمضي بالتأكيد على أن إصلاح منظومة الأدوية يتطلب أيضا تعزيز الشفافية، من خلال نشر المعلومات المتعلقة بالأسعار وهوامش الربح وتكاليف الاستيراد والمعايير المعتمدة في التسعير، وتنظيم العلاقة بين المختبرات والأطباء والمؤسسات الصحية والتصريح بحالات تضارب المصالح، موضحا أن الهدف النهائي لا ينبغي أن يقتصر على خفض الأسعار، بل ضمان حصول المواطن على دواء آمن وفعال بسعر يتناسب مع قدرته الشرائية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على توازن صناديق التأمين واستدامة منظومة الحماية الاجتماعية.
Views: 0