ما بعد “المينورسو”.. خُبراء يرصدون ملامح المرحلة المقبلة لقضية الصحراء المغربية

يفتح عدم تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية “المينورسو” مرحلة جديدة في تدبير هذا الملف، تطرح تساؤلات بشأن مستقبل الآلية الأممية التي ظلت قائمة منذ سنة 1991، وطبيعة التحركات السياسية والدبلوماسية والميدانية المرتقبة خلال المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، اعتبر عبد الفتاح بلعمشي، أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن عدم صدور قرار جديد عن مجلس الأمن لتمديد ولاية البعثة أفرز وضعا قانونيا جديدا ستكون له انعكاسات على آليات تدبير النزاع، موضحا أن القرار 690 الصادر سنة 1991 شكل الإطار الذي أُحدثت بموجبه المينورسو لمراقبة وقف إطلاق النار ومواكبة مسار التسوية.

ومن جانبه، يرى أحمد نور الدين، الخبير في العلاقات الدولية والمتخصص في ملف الصحراء المغربية، أن التطورات المرتبطة بالتصويت الأخير في مجلس الأمن والموقف الأمريكي من مشروع القرار الروسي تفتح المجال أمام انتقال الملف إلى مرحلة جديدة، معتبرا أن المغرب أمام فرصة لتعزيز مكاسبه الدبلوماسية والسياسية، والانتقال إلى خطوات أخرى على المستويين الأممي والميداني، فضلا عن معالجة البعد الإنساني للنزاع.

وفي قراءته للتداعيات القانونية لعدم تمديد ولاية المينورسو، أوضح بلعمشي أن البعثة كانت تستمد صلاحياتها من قرارات مجلس الأمن، وهو ما يجعل عدم صدور قرار جديد بشأن تمديد ولايتها يطرح تساؤلات حول مستقبل مهامها، خاصة بعد 31 أكتوبر، وتداعيات ذلك على الآلية الأممية التي ظلت قائمة لأكثر من ثلاثة عقود.

وفي السياق ذاته، اعتبر نور الدين أن إنهاء مهام البعثة يستدعي استكمال انسحاب مكوناتها من المنطقة، مشيرا إلى أن العملية قد تستغرق نحو شهرين، استنادا إلى تصريح الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة. وأوضح أن الانسحاب سيشمل إخلاء المكاتب والمنشآت التابعة للبعثة، سواء بمقرها في العيون أو مركزها في تندوف، إضافة إلى الوحدات الموجودة في مناطق أخرى شرق الجدار الأمني.

وبخصوص انعكاسات الوضع الجديد على المستوى الميداني، ربط بلعمشي المرحلة المقبلة بالاجتماع الذي ترأسه الملك محمد السادس، بحضور مستشاريه ورئيسة الحكومة ووزير الداخلية والفريق أول المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، معتبرا أن هذا الاجتماع يعكس بداية التعامل مع مقتضيات المرحلة الجديدة، خاصة ما يتعلق بدور المغرب في ضمان السلم والأمن بالإقليم.

أما نور الدين، فأشار إلى أن القوات المسلحة الملكية بدأت، منذ 31 أكتوبر، في بسط نفوذها على المنطقة التي توصف بالمنطقة العازلة، وصولا إلى الحدود الدولية للمملكة. واعتبر أن استعادة السيطرة على هذه المنطقة ستتيح، وفق تقديره، هامشا للتحرك وملاحقة عناصر جبهة البوليساريو، مع تفادي الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الجزائر.

وعلى المستوى السياسي، شدد بلعمشي على استمرار تمسك المغرب بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أرضية للتوصل إلى تسوية نهائية للنزاع، مشيرا إلى أن الخطاب الرسمي المغربي يواصل التأكيد على هذا المقترح كأساس للحل السياسي. وأضاف أن المرحلة المقبلة تقتضي متابعة ردود فعل المجتمع الدولي، خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية، ومواقف الأطراف المعنية، قبل تكوين صورة واضحة بشأن مآلات التطورات الأخيرة.

ومن جهته، توقف نور الدين عند إمكانية إعادة طرح ملف الصحراء داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة ولجنتها الرابعة، المعنية بالمسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار، موضحا أن الملف انتقل إلى مجلس الأمن بعد تعذر التوصل إلى تسوية داخل الجمعية العامة.

واعتبر أن عودة النقاش إلى هذا الإطار تفرض على المغرب الاستعداد لمرحلة جديدة من التحركات الدبلوماسية، خاصة أن اجتماع اللجنة الرابعة المرتقب في شتنبر 2027 يشكل، بحسب قراءته، محطة أساسية.

وفي هذا الإطار، دعا نور الدين إلى تعبئة دبلوماسية تشمل السفراء ووزارة الشؤون الخارجية ومختلف المؤسسات المعنية، بهدف حشد دعم أكبر عدد ممكن من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، البالغ عددها 193 دولة. واستحضر ما قال إنه دعم 116 دولة للسيادة المغربية أو للمقترح المغربي، معتبرا أن المرحلة المقبلة تقتضي تعزيز هذا الرصيد وتحويله إلى مواقف تصويتية داخل أجهزة الجمعية العامة.

وبشأن طبيعة التحركات المرتقبة، يرى نور الدين أن المغرب قد يكون أمام معركة دبلوماسية تختلف عن المراحل السابقة، إذ لن يقتصر الأمر على تقديم تعديلات على مشاريع القرارات المتعلقة بالصحراء والتصويت عليها، بل سيمتد، وفق تصوره، إلى محاولة حشد أغلبية دولية لإسقاط المشروع الذي تتقدم به الجزائر.

وتحدث الخبير عن إمكانية تقديم مشروع قرار مغربي بدعم من الدول المتحالفة مع الموقف المغربي، يتضمن اعتبارات سياسية وقانونية وتاريخية مرتبطة بالنزاع، إلى جانب التطورات التي عرفها الملف داخل مجلس الأمن ومبادرة الحكم الذاتي والمواقف الدولية الداعمة لها.

كما أشار إلى ضرورة تضمين هذا المشروع معطيات تتعلق بالتمثيلية السياسية والانتخابية لسكان الأقاليم الجنوبية ومشاركتهم في المؤسسات المنتخبة، على المستويات البرلمانية والجهوية والإقليمية والجماعية، فضلا عن استحضار اتفاقية مدريد لسنة 1975 ومسؤولية الأطراف الأخرى في استمرار النزاع، وفق المقاربة التي عرضها.

وفي مقابل هذه التفاصيل المرتبطة بالتحرك داخل أجهزة الأمم المتحدة، اعتبر بلعمشي أن المرحلة الحالية تظل مرتبطة أيضا بمدى تفاعل المجتمع الدولي مع المستجدات، وبالنقاشات الوطنية والإقليمية والدولية التي قد تفتحها التطورات الأخيرة بشأن التسوية النهائية للنزاع.

وبعيدا عن المسارين السياسي والدبلوماسي، توقف نور الدين عند البعد الإنساني للمرحلة المقبلة، معتبرا أن التحرك المرتقب قد يشمل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومقرها جنيف، من أجل معالجة وضعية مخيمات تندوف والعمل على إعادة السكان، خاصة المدنيين من النساء والأطفال وكبار السن، إلى أرض الوطن.

ويرى المتحدث أن هذا الملف يشكل أحد الأبعاد الإنسانية والسياسية للنزاع، وأن معالجة وضعية المخيمات وعودة اللاجئين قد تمثل، وفق تقديره، تطورا مهما في مسار إنهاء النزاع.

وفي سياق أوسع، يربط بلعمشي مآلات المرحلة الجديدة بضرورة متابعة التطورات السياسية والميدانية وردود الفعل الدولية، معتبرا أن المستجدات الأخيرة قد تشكل بداية مسار جديد نحو حسم ملف الصحراء المغربية، الذي امتد لعقود.

وفي تفسيره للمواقف التي رافقت التصويت الأخير بمجلس الأمن، قال نور الدين إن موسكو لم تكن تتوقع لجوء الولايات المتحدة الأمريكية إلى استعمال حق النقض ضد مشروع القرار الروسي، معتبرا أن الموقف الروسي لم يأخذ، بحسب تقديره، احتمال استخدام واشنطن للفيتو بهذه الصورة بعين الاعتبار.

ومن جهته ربط بلعمشي، التطورات الأخيرة بمسار التصويت داخل مجلس الأمن وما رافقه من مواقف متباينة بشأن مشروعي القرار الأمريكي والروسي، معتبرا أن النتيجة أفضت إلى واقع جديد من الناحية القانونية والسياسية، يستدعي متابعة مواقف القوى الدولية والأطراف المعنية.

وخلص نور الدين إلى أن إنهاء مهمة المينورسو والتطورات المرتبطة بالتصويت في مجلس الأمن يمثلان، وفق تقديره، نحو 70 في المائة من مسار إنهاء المشروع الانفصالي، فيما ترتبط النسبة المتبقية بالخطوات الدبلوماسية والسياسية والإنسانية المرتقبة.

وفي المقابل، اعتبر بلعمشي أن المرحلة الحالية قد تفتح المجال أمام نقاشات جديدة بشأن التسوية النهائية، في انتظار اتضاح مواقف المجتمع الدولي والتطورات التي ستشهدها المرحلة المقبلة.

Views: 0

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.