تتصاعد داخل أروقة كرة القدم العالمية أزمة سياسية ورياضية غير مسبوقة، إثر المخطط المثير للجدل الذي طرحه رئيس الاتحاد الدولي “فيفا”، جياني إنفانتينو، والمتعلق بـ “خوصصة” الأنشطة التجارية للمنظمة العالمية، وفي مقدمتها بطولة كأس العالم.
وفور الكشف عن هذا المقترح “المثير للجدل”، تفجرت موجة رفض واعتراض واسعة من مختلف الفاعلين الرياضيين في أوروبا، قبل أن تتمدد شرارة الانتقادات إلى القارتين الأمريكيتين وآسيا، في مؤشر واضح على اتساع جبهة الرافضين لمشروع يصفه معارضوه بأنه محاولة لـ “تسقيف” وبيع “أهم أصول الساحرة المستديرة”.
تفاصيل المقترح: 40 مليون دولار إغراءً للاتحادات
ويروم هذا المقترح، الذي قُدّم من طرف رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، إنشاء شركة تابعة ومستقلة تجارياً تحمل اسم “فيفا فوروارد إنتربرايز” (FIFA Forward Enterprise)، حيث سيقوم “الفيفا” بنقل جميع أنشطته ومسابقاته التي تدر أرباحاً إلى هذه الشركة، وتشمل: بطولة كأس العالم، حقوق البث التلفزيوني، عقود الرعاية والإعلانات، ومبيعات التذاكر والترخيص وتنظيم الفعاليات.
ويهدف جياني إنفانتينو إلى بيع ما يصل إلى 20% من أسهم الشركة لمستثمرين خارجيين (على أن تحتفظ “الفيفا” بحصة الأغلبية التي تمثل 80%)، مع الإشارة إلى أن الاتحاد الدولي قد قَدَّر، بالتعاون مع بنك “جيه. بي. مورغان” (J.P. Morgan) الأمريكي، قيمة هذه الشركة بقرابة 20 مليار دولار.
ولإقناع الاتحادات الأعضاء بهذا المقترح، قدم إنفانتينو عرضاً مغرياً لجميع الاتحادات؛ حيث أكد أنه في حال الموافقة على المقترح سيحصل كل اتحاد محلي على 40 مليون دولار خلال الدورة (2027–2030)، تُقسم إلى: 20 مليون دولار دفعة واحدة فورية (برنامج فاست فوروارد) + 20 مليون دولار تمويلاً تطويرياً على 4 سنوات (برنامج فيفا فوروارد).
على أن تستمر المبالغ في التصاعد لتصل إلى 22 مليون دولار خلال الفترة (2031–2034)، ثم 24 مليون دولار في (2035–2038)، في حين يُحرم الاتحاد الرافض من “الدفعة الفورية”، ويقتصر تمويله على الحزمة الاعتيادية البالغة 10 ملايين دولار فقط للدورة المقبلة (أي خسارة 75% من التمويل المحتمل).
الاتحادات القارية تقود جبهة المعارضة
وفي مقابل هذه الإغراءات المالية الكبيرة، عبرت الاتحادات الكبرى للرياضة عن رفضها لهذا المشروع، وتصدر قائمة المعارضين الاتحاد الأوروبي لكرة القدم “اليويفا”، الذي دعا إلى اجتماع طارئ لتنسيق رد مشترك على مخطط جياني إنفانتينو، مع إمكانية طرح مقترح مقاطعة البطولات التي ينظمها “الفيفا” اعتراضاً على المخطط، علماً أن “اليويفا” سبق وأن قاطعت الحضور لنهائي كأس العالم 2026.
ولم يُخفِ الاتحاد الأوروبي لكرة القدم رفضه القاطع لهذا المشروع الذي وصفه بـ “بيع روح كرة القدم”، بعد أن نشر بياناً جاء فيه: “لا يمكن للفيفا الاستمرار في استخدام رياضتنا لإثراء أنفسهم وأصدقائهم. يمكننا تطوير اللعبة بالشكل الصحيح، وحان الوقت لإعطاء الأولوية للاتحادات والأندية والدوريات واللاعبين والجماهير”.
وفي المقابل، لاقى موقف “اليويفا” وانتقادها لهذا المشروع الربحي دعماً واضحاً من اتحاد كرة القدم بأمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي “كونكاكاف”، حيث أعرب الاتحاد عن “قلقه البالغ” من غياب الإجراءات المؤسسية والحوكمة السليمة في إعداد مثل هذه المبادرات.
وأكد “الكونكاكاف” أن القرارات المتعلقة بمستقبل كرة القدم يجب أن تمر عبر المؤسسات المختصة وبمشاركة جميع أصحاب المصلحة، مشدداً على أن مسؤولية حماية اللعبة تقع على عاتق “الفيفا” والاتحادات القارية والوطنية مجتمعة، وليس عبر قرارات أحادية الجانب.
كما انضم الاتحاد الآسيوي لكرة القدم إلى قائمة الرافضين لهذا المقترح؛ حيث كشف في بيان إعلامي عن خيبة أمله لعدم استشارة الاتحادات القارية قبل طرح المقترح، مؤكداً أن مسألة بهذه الأهمية طُرحت في المجال العام قبل أن تُتاح لأسرة الاتحاد الآسيوي فرصة دراستها ومناقشتها من خلال قنوات الحوكمة المعتمدة والراسخة.
وأضاف الاتحاد الآسيوي في بلاغه: “في الوقت الذي يدرك فيه الاتحاد الآسيوي أهمية استكشاف أساليب مبتكرة يمكن أن تسهم في تعزيز مستقبل كرة القدم العالمية، فإنه يؤكد أن المبادرات بهذا الحجم وذات هذه الآثار يجب أن تستند إلى مبادئ الحوكمة الرشيدة، والشفافية، والتشاور الهادف”.
غضب جماهيري وسياسي متواصل
ولم تقتصر معارضة هذا المشروع على الاتحادات الكبرى للعبة، بل توسعت الدائرة لتشمل رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، الذي أكد أن كأس العالم ليس منتجاً تجارياً يمكن بيعه للمستثمرين، بل هو أعظم بطولة رياضية في العالم وملك للجماهير التي صنعت تاريخ اللعبة.
كما أعربت الجماهير من مختلف أنحاء العالم عن رفضها القاطع لهذه الرؤية التي أضحت تجرد كرة القدم من قيمتها المعنوية وتختزلها فقط في البعد المادي، رافضة أن يتم خوصصة بطولة كأس العالم. وتفاعلت رابطة مشجعي كرة القدم في بريطانيا مع هذا الحدث ببيان شديد اللهجة، وصفت فيه المشروع بأنه “مستوى جديد من الانحدار”، معتبرة أن “الفيفا” يواصل اتخاذ قرارات تجارية تهدد مستقبل كرة القدم وتتجاهل مصالح المشجعين الذين يمثلون جوهر اللعبة.
ورغم هذه الضغوطات والانتقادات، لا يزال جياني إنفانتينو مؤمناً بنجاح مشروعه المرتقب؛ حيث صرح قائلاً في مقطع فيديو نشره “الفيفا” اليوم الأربعاء: “إنه جزء من عملية ديمقراطية – عملية مشاورات – وقبل كل شيء، هي فرصة وليست التزاماً، وكما قلت، فهي تطلق عملية تشاور”.
وتجدر الإشارة إلى أن “الفيفا” سبق وأن حدد 19 سبتمبر المقبل موعداً نهائياً لاتخاذ الاتحادات قرارها النهائي بشأن الانضمام للمشروع ولضمان الحصول على مكافأة الـ40 مليون دولار، علماً أن تمرير القرار سيتطلب فقط الوصول لأغلبية الأصوات مع موافقة مجلس “الفيفا”.
Views: 0