قال عمر هلال، السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، إن العمل الإنساني شكل، منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، “ركيزة أساسية ومهيكلة للسياسة الخارجية للمملكة”، مستحضرا الرسالة الملكية الموجهة إلى القمة الإنسانية العالمية بإسطنبول سنة 2016، التي أكد فيها الملك أن المغرب حرص على أن يكون العمل الإنساني النبيل أحد الأعمدة الأساسية لسياسته الخارجية.
وأوضح هلال، في كلمة خلال ندوة حول العمل الإنساني متعدد الأطراف، أن العالم يواجه اليوم أزمات إنسانية متفاقمة، في ظل استمرار النزاعات المسلحة وما يصاحبها من تهجير قسري ومجاعة وموت، مشيرا إلى أن العمل الإنساني أصبح بالنسبة إلى ملايين الأشخاص “آخر طوق نجاة”، غير أن هذا الطوق بات يتعرض لضغوط مالية وعملياتية وسياسية متزايدة.
وأضاف أن القوافل الإنسانية تتعرض للعرقلة، بينما يستهدف العاملون في المجال الإنساني، وتتعرض المستشفيات والمدارس وشبكات الماء والطاقة والبنيات المدنية للتدمير، فيما تستخدم التجمعات السكانية المدنية رهائن في عدد من النزاعات، معتبرا أن تكرار الوقائع نفسها والنداءات ذاتها يكشف أن النظام الإنساني متعدد الأطراف، بصيغته الحالية، لم يعد قادرا على استيعاب جميع المآسي الإنسانية التي يشهدها العالم، لأنه أصبح متجاوزا أمام واقع يتطور بوتيرة أسرع من آلياته العملياتية.
وأكد المسؤول المغربي أن هذا الوضع يفرض إجراء “حصيلة مؤلمة لإخفاقاتنا الجماعية”، وإطلاق تفكير جاد وبناء واستشرافي بشأن إصلاح وتعزيز العمل الإنساني متعدد الأطراف، مبرزا أن الأمين العام للأمم المتحدة حذر بدوره من أن النظام الإنساني الدولي يعاني نقصا في التمويل ويزداد هشاشة، معتبرا أن الأمر لا يتعلق بتحذير ظرفي، وإنما بتشخيص لنظام يواجه خطر التصدع.
وأشار هلال إلى أن غياب العمل الجماعي لمواجهة انتهاكات القانون الدولي الإنساني يعد أول عوامل تفاقم الأزمة، موضحا أن سنة 2025 شهدت مقتل أكثر من 37 ألف مدني في عشرين نزاعا مسلحا، أي بمعدل قتيل مدني كل خمس عشرة دقيقة.
وأضاف أن أحدث تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية تشير إلى أن 269 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة، في حين لا تستطيع الأمم المتحدة وشركاؤها الوصول إلا إلى 135 مليون شخص، ما يترك أكثر من 100 مليون إنسان خارج أي شبكة للحماية الإنسانية للسنة الثالثة على التوالي.
وفي هذا السياق، أبرز هلال أن النداء الإنساني العالمي لسنة 2026 يحتاج إلى 33 مليار دولار، في حين لم تتم تعبئة سوى 11 مليار دولار إلى حدود الآن، قبل أن يقارن ذلك بما أنفقه العالم على التسلح خلال السنة الماضية، والذي بلغ 2.7 تريليون دولار، قائلا إن الأمر “ليس مشكلة موارد مالية، وإنما مشكلة أولويات”، مضيفا أن نتائج هذا الاختيار الجماعي تتجسد يوميا على حساب الأرواح البشرية.
وتابع بأن تقرير “الشبكة العالمية لمكافحة الأزمات الغذائية”، الممول من الاتحاد الأوروبي، يؤكد أن الأمن الغذائي العالمي يشهد تراجعا متسارعا، بعدما بلغ عدد الأشخاص الذين يعيشون أوضاع انعدام الأمن الغذائي الحاد 295 مليون شخص، وهو رقم تضاعف خلال عشر سنوات، كما أعلن عن تسجيل حالتي مجاعة لأول مرة منذ بدء عمليات الرصد الدولية.
وسجل أن الأطفال يدفعون الثمن الأكبر للأزمات الإنسانية، مبرزا أن عدد الأطفال المستفيدين من المساعدات الإنسانية ارتفع خلال سنة واحدة فقط من 109 ملايين إلى ما يقارب 149 مليونا، فيما أصبح العاملون في المجال الإنساني أنفسهم أهدافا للهجمات، إذ قتل أكثر من 380 عاملا إنسانيا خلال سنة 2025، وهو أعلى رقم يسجل على الإطلاق، معتبرا أن استهدافهم يشكل انتهاكا جسيما للقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جريمة حرب.
ورأى هلال أن هذا التشخيص يفرض طرح سؤال حول أسباب هذا التدهور، معتبرا أن أول هذه الأسباب يتمثل في بلوغ الاحتياجات الإنسانية مستويات غير مسبوقة، مقابل ركود المساهمات المالية أو تراجعها، واتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد، فضلا عن تمويل النداءات الإنسانية بأقل من نصف احتياجاتها، سواء بسبب ما وصفه بـ”الإرهاق الإنساني” أو بسبب إعادة توجيه التمويلات نحو أولويات وطنية أو إقليمية أخرى، ما يؤدي إلى إيقاف برامج إنسانية بسبب نقص التمويل، رغم توفر الحلول.
وأضاف أن السبب الثاني يتمثل في تقييد الوصول الإنساني، إذ يواجه العاملون في المجال الإنساني عراقيل كبيرة في الوصول إلى السكان داخل مناطق النزاع، بينما تستخدم المساعدات الإنسانية أحيانا كسلاح في الحرب، ويتعرض العاملون الإنسانيون للاختطاف والاستهداف، كما تتعرض المنشآت الصحية للتدمير بشكل ممنهج، في انتهاك غير مقبول للقانون الدولي الإنساني.
أما العامل الثالث، بحسب هلال، فيتعلق بتسييس المساعدات الإنسانية، موضحا أن مبادئ الحياد وعدم التحيز والاستقلالية أصبحت تخضع لضغوط سياسية متزايدة، وأصبحت المساعدات الإنسانية تستخدم أحيانا كأداة جيوسياسية أو تربط باعتبارات سياسية، بما يقوض الثقة في المنظومة الإنسانية.
كما أشار إلى أن الأزمات المزمنة تمثل تحديا آخر، إذ يتركز الاهتمام الإعلامي والسياسي على الأزمات الأكثر بروزا، بينما تستمر أوضاع اللجوء والنزوح لعقود طويلة، فيعيش اللاجئون والنازحون داخل المخيمات أجيالا كاملة دون أفق للعودة أو للاستفادة من التعليم أو الشغل، معتبرا أن هذا الوضع يتفاقم بسبب تحويل المساعدات الإنسانية عن أهدافها.
وأضاف أن من بين التحديات أيضا ضعف الربط بين الاستجابة الإنسانية العاجلة والتنمية، مبرزا أن العمل الإنساني، بطبيعته، يستجيب للاحتياجات الفورية، لكنه لا يستطيع وحده معالجة الأسباب البنيوية للأزمات، وهو ما يجعل من الضروري تعزيز الترابط بين العمل الإنساني والتنمية وبناء السلام.
وأكد هلال أن النظام الإنساني متعدد الأطراف يحتاج إلى إصلاح عميق وطموح، مقترحا تطوير آليات تمويل مبتكرة، من بينها السندات الإنسانية، والتمويل الاستباقي، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، وصناديق الاحتياط، بما يسمح باستجابة أسرع للأزمات وتعزيز التعاون الدولي والتنسيق بين الفاعلين الإنسانيين والمؤسسات التنموية.
كما دعا إلى ترسيخ تضامن عالمي لا يخضع لازدواجية المعايير، مؤكدا أن جميع ضحايا النزاعات، أينما وجدوا، يجب أن يحظوا بالاهتمام نفسه والدعم نفسه والحماية نفسها، وإلى إصلاح حكامة المؤسسات الإنسانية الدولية بما يضمن تمثيلية أكبر لدول الجنوب، ومزيدا من الشفافية في تدبير التمويلات، وتعزيز المساءلة تجاه المستفيدين.
وشدد أيضا على ضرورة تحقيق الانسجام بين أجندة 2030 وآليات العمل الإنساني، حتى لا تبقى الفئات المتضررة من النزاعات خارج مسار التنمية، معتبرا أن الوقاية من النزاعات تمثل “أفضل استثمار إنساني”، لأن كل دولار يستثمر في منع النزاعات يوفر عشرات أو مئات الدولارات التي تنفق لاحقا على المساعدات الإنسانية الطارئة، داعيا المجتمع الدولي إلى تعزيز آليات الوساطة والدبلوماسية الوقائية.
واعتبر هلال أن تجربة المغرب تستحق الاهتمام بالنظر إلى ثباتها ومصداقيتها وتمسكها بمبادئ التضامن واحترام القانون الدولي الإنساني، مذكرا بأن الرؤية الملكية تقوم على ثلاثة مرتكزات، هي التضامن باعتباره قيمة محورية، وتقاسم المسؤولية باعتباره مبدأ عمليا، واحترام القانون الدولي الإنساني باعتباره التزاما مطلقا، إلى جانب مساهمة المملكة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وتقديم المساعدات الإنسانية المباشرة في مناطق الكوارث والنزاعات، واعتماد مقاربة تربط بين المساعدة الإنسانية وإعادة الإعمار وتعزيز القدرات وتحقيق التنمية.
وختم الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة كلمته بالتأكيد على أن النظام الإنساني متعدد الأطراف، رغم حدوده ونواقصه، يظل الإطار الدولي الذي يمنح الأمل للفئات التي فقدت الأمل، لكنه يحتاج إلى الإصلاح والتكيف مع التحولات وتعزيز التضامن العالمي، قبل أن يستشهد بعبارة لمؤسس القانون الدولي الإنساني هنري دونان قال فيها: “القانون الإنساني ليس قانون الحرب، بل هو القانون داخل الحرب.”
Views: 0