هل تجاوز حضور المرأة في البرلمان منطق “التأثيث” إلى التأثير؟

رغم التطور الذي عرفه حضور النساء داخل المؤسسة التشريعية خلال السنوات الأخيرة، ما يزال النقاش متواصلا بشأن مدى انتقال المرأة من منطق التمثيلية إلى التأثير الفعلي في صناعة القرار، وحول مدى نجاح نظام “الكوطا” في تحقيق مبدأ المناصفة الذي ينص عليه الدستور.

وبين من يرى أن المرأة أثبتت كفاءتها داخل البرلمان، ومن يعتبر أن الطريق لا يزال طويلا أمام تحقيق تمثيلية منصفة، تجمع برلمانيات من أحزاب مختلفة على أن تعزيز حضور النساء في مواقع القرار يقتضي إصلاحات قانونية وسياسية، إلى جانب تغيير العقليات والصور النمطية.

وترى البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة، نادية بوزندوفة، أن نظام “الكوطا” ما يزال بعيدا عن تحقيق مبدأ المناصفة الذي ينص عليه الدستور، ولم يبلغ أهدافه الكاملة، رغم مساهمته في ضمان تمثيلية نسائية من مختلف جهات المملكة.

وترى البرلمانية عينه، عند مرورها ضيفاً على برنامج “أصوات نسائية” الذي يبث على المنصات الرقمية لجريدة “ القضية بوست” الإلكترونية، أن الوقت حان للتفكير في آليات جديدة لتعزيز حضور النساء داخل المؤسسات المنتخبة، خاصة وأن “الكوطا” لم تفرز سوى 90 مقعدا جهويا، مقابل حضور محدود للنساء في اللوائح المحلية.

وأرجعت ضعف تمثيلية النساء في اللوائح المحلية إلى طبيعة المنافسة الانتخابية التي تقوم على قواعد انتخابية متراكمة، معتبرة أن الأحزاب مطالبة بإبداء جرأة أكبر في منح النساء فرص الترشح، غير أن الفوز يظل رهينا بعوامل ميدانية، من بينها التراكم الانتخابي وامتلاك قاعدة انتخابية قوية.

وعما إذا كانت تعتقد أن حضور المرأة في البرلمان اليوم تجاوز منطق “التأثيث” إلى التأثير الفعلي، قالت البرلمانية زينب السيمو، التي انتقلت من حزب الأحرار إلى البام، إن الولاية الحالية عرفت مشاركة 96 امرأة، من بينهن 90 وصلن إلى البرلمان عبر اللائحة الجهوية، فيما فازت ست فقط بالمقاعد المحلية، مؤكدة أنها، كامرأة، غير راضية عن هذا العدد مقارنة بالرجل، وتتطلع إلى تمثيلية نسائية أكبر داخل البرلمان، خاصة عبر اللوائح المحلية.

وترى أن نظام الكوطا له إيجابيات وسلبيات، لأن المرأة التي تمثل الجهة تكون مطالبة بالدفاع عن عدة أقاليم في الوقت نفسه، بالطريقة ذاتها، ما يفرض عليها تحديات في التعرف على مشاكل كل إقليم، والتنسيق المستمر مع البرلمانيين بشأن الأسئلة والقضايا المطروحة.

وأضافت، في سياق حديثها عن الكوطا، أنها تساهم في ترسيخ مكانة المرأة داخل السياسة، وتعزيز اعتياد الرجل البرلماني على وجود المرأة داخل البرلمان، بما يرسخ قناعته بأنها لا تقل أهمية عنه، وأن أدوارهما متساوية في الدفاع عن قضايا المواطنين.

وقالت البرلمانية زينة شاهيم إن تعزيز حضور المرأة في الحياة السياسية يقتضي، قبل كل شيء، تغيير العقليات، معتبرة أن المكانة التي وصلت إليها المرأة اليوم لم تأت من فراغ، بل كانت ثمرة سنوات من العمل والنضال والمرافعة التي قادتها نساء من أجيال سابقة من أجل ترسيخ حقوقها وتعزيز حضورها في مواقع القرار.

وأضافت أن المرأة، شأنها شأن الرجل، مطالبة بالاجتهاد وإثبات كفاءتها، مشيرة إلى أن النساء البرلمانيات من بين الأكثر حضورا وانخراطا في العمل البرلماني، والأكثر دفاعا ومرافعة عن قضايا المواطنين والمواطنات.

وأوضحت أن رفع عدد النساء داخل المؤسسات المنتخبة يبقى رهينا بإرادة الأحزاب السياسية في توسيع فرص ترشيحهن، خاصة على المستوى المحلي، مؤكدة أن الآليات القانونية والديمقراطية تتيح للمرأة الوصول إلى مواقع المسؤولية متى توفرت لها الفرصة.

ودعت شاهيم إلى التفعيل الأمثل للفصل 19 من الدستور، بما يكرس مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، معتبرة أن الكفاءة يجب أن تظل المعيار الحاسم في تقلد المسؤوليات، سواء تعلق الأمر بالرجل أو المرأة.

وأشارت إلى أن المواطن لم يعتد بعد على حضور المرأة في المجال السياسي، متمنية ألا يقتصر وجودها على تأثيث المشهد السياسي، بل أن يُؤمن بدورها كفاعلة وصانعة.

من جهتها، اعتبرت البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، نعيمة الفتحاوي، أن تعزيز حضور المرأة في مواقع القرار لا يرتبط فقط بالآليات القانونية، بل يظل رهينا أيضا بتجاوز عدد من الإكراهات الاجتماعية والثقافية.

وقالت إن المرأة ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بالتمكين الاقتصادي، إلى جانب استمرار بعض التمثلات المجتمعية التي تضعها في مرتبة تالية للرجل، رغم ما تحقق من تطور، معتبرة أن هذه النظرة لا تستند إلى أي أساس ديني أو موضوعي.

ودعت الفتحاوي إلى تعزيز الآليات الكفيلة بتمكين المرأة من الوصول إلى مراكز القرار، مستغربة استمرار التشكيك في مؤهلاتها كلما تعلق الأمر بتولي المسؤوليات، في حين لا يطرح الأمر بالقدر نفسه بالنسبة للرجل.

وأكدت أن النساء أثبتن كفاءتهن في مختلف المجالات، ضمنها التعليم العالي والطب، معتبرة أنه من الضروري إتاحة الفرصة للكفاءات النسائية لإبراز قدراتها والمساهمة في تدبير الشأن العام.

وأضافت شاهيم، في السياق ذاته، أن حزب التجمع الوطني للأحرار منح المرأة مكانة متقدمة داخل هياكله وفي تدبير الشأن العام، مستشهدة بتولي عدد من النساء مناصب حكومية وقيادية، من بينهن نادية فتاح العلوي التي ترأس وزارة الاقتصاد والمالية، وفاطمة الزهراء عمور التي تتولى رئاسة وزارة السياحة، وكاتبة الدولة زكية الدريوش، وغيرها من المناصب التي تقودها نساء، إلى جانب حضور المرأة داخل مكتب مجلس النواب ولجانه، وفي المجالس المحلية والجهوية، واعتبرت أن هذه النماذج تعكس إيمان الحزب بالكفاءة.

وعن أبرز التحديات التي تواجه البرلمانيات عن الجهات، قالت بوزندوفة إن الإشكال الأساسي يتمثل في صعوبة الحصول على المعلومة، ما يفرض التواصل المستمر مع المنتخبين المحليين ورؤساء الجماعات، خاصة في الجهات الكبرى مثل جهة مراكش آسفي.

بدورها البرلمانية زينب السيمو، التي انتقلت من حزب الأحرار إلى البام، تحدثت عن الصعوبات والعراقيل التي تواجه البرلمانيات اللواتي يمثلن الجهة، وليس الإقليم، إذ يواجهن، بحسبها، تحديات كبرى، من بينها الجمع بين الحضور الدائم في قبة البرلمان لتمثيل الأمة وتجسيد دور الأمومة، وتحقيق التوازن بين الدورين.

Views: 0

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.