انتهى مشوار أسود الأطلس في مونديال 2026 وحان وقت الحصاد وجرد الحصيلة، التي وإن كانت في المجال الرياضي مشرفة بتحقيق المنتخب الوطني المغربي ثاني عبور له لدور ربع النهائي، كأول منتخب عربي وإفريقي يحقق هذا الإنجاز، فإن الحصيلة الاقتصادية للأداء المونديالي تطرح بعض علامات الاستفهام للنقاش.
ويرى خبراء اقتصاديون، وخاصة في القطاع السياحي، أن تحقيق المغرب إنجازات رياضية في كأس العالم له انعكاسات جد إيجابية على سمعة المملكة، وعلى قوتها الناعمة، مستشهدين على ذلك بالدفعة القوية التي أعطتها المشاركة الناجحة في مونديال “قطر 2022″، والتي لا يزال القطاع السياحي المغربي يستفيد منها إلى غاية الآن.
وفي التفاصيل، فإن المشاركة الإيجابية في المونديال قبل الجاري مكنت المملكة من “ترويج مجاني”، بحيث لفت إنجاز المنتخب الأنظار للمغرب، مما جعل البحث عنه يرتفع بشدة في محركات البحث ومواقع السفر العالمية. وساهم المونديال في تغيير صورة المغرب في الخارج وجذب أسواق جديدة، حيث استقطبت البلاد قرابة 20 مليون سائح، مما دعم مداخيل العملة الصعبة.
وعلاوة على ذلك، وبالرغم من غياب مناهج قياسية دقيقة تمكن من ربط المتغيرات ببعضها، فقد سجل المغرب منذ نجاح “قطر 2022” تدفقا هاماً في الاستثمارات الأجنبية، بفضل تسويق “العلامة التجارية” المغربية؛ إذ أظهرت البطولة قوة البنية التحتية المغربية واستقرار البلاد، مما أعطى ثقة كبيرة للشركات العالمية للاستثمار فيها.
وفي المقابل يرى الخبير الاقتصادي عزيز زازى، أن التأثير الاقتصادي للنجاح المونديالي قصير المدى ولا يقدم أي تغيير هيكلي للبنية الاقتصادية على المدى الطويل؛ “إذا ما قارنّا مستوى المعيشة في البلدان «الغنية بالنجوم» الكروية على القميص، مثل البرازيل أو الأرجنتين، بمستوى المعيشة في الدول «الغنية» اقتصادياً، مثل سويسرا أو اليابان، فإن العديد من الأفكار الشائعة تتهاوى فوراً”.
وأوضح الخبير ذاته أنه للإجابة عن سؤال الفوائد الاقتصادية للمشاركات الرياضية فإنه ينبغي التمييز بين مستويين زمنيين؛ إذ على المدى القصير، تتحقق بالفعل دفعة دعائية وإشعاع دولي للبلد الذي يفوز منتخبه بالمونديال أو يحقق إنجازاً هاماً فيه.
“يمنح الفوز بكأس العالم الدولة المتوجة واجهة دولية قوية وجرعة فورية من الثقة والفخر الوطني. ومن الناحية الاقتصادية، يبقى الأثر قابلاً للقياس لكنه مؤقت؛ إذ تشير أبحاث، من بينها دراسات أجرتها جامعة ساري البريطانية، إلى أن التتويج بالمونديال قد يحقق زيادة طفيفة ومؤقتة في الناتج الداخلي الإجمالي بنحو 0.25% خلال الفصول التي تلي الفوز، مدفوعة بارتفاع الاستهلاك وتحسن صورة البلد في الخارج”.
وأضاف المتحدث ذاته أنه في المقابل، وعلى المدى الطويل، يسجل غياب أي أثر هيكلي للفوز بالمونديال على القطاعات الإنتاجية؛ “بعد انتهاء الاحتفالات تستعيد الحقائق الاقتصادية مكانتها، فرفع كأس العالم لا يترك أي تأثير طويل الأمد على الركائز الأساسية لتنمية الدول، مثل جودة التعليم، وإمكانية الولوج إلى الرعاية الصحية، ومستويات البطالة، أو مكافحة الفقر”.
وخلص زازى إلى أن “النجوم على قميص المنتخب تُضيء عيون الجماهير وتغذي مشاعر الفخر والانتماء، لكنها لا يمكن أن تعوض الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية العميقة. فكرة القدم تبقى أداة للقوة الناعمة والإشعاع الثقافي، وليست محركاً للتنمية الاقتصادية”.
Views: 0