مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يتجدد النقاش حول مدى تأثير الاستراتيجيات الوطنية الكبرى، من قبيل ورش الحماية الاجتماعية والجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة..، على البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية، التي شرعت بإعدادها تمهيدا لاستحقاقات الـ23 من شتنبر المقبل.
وشرعت أحزاب سياسية مغربية في عرض الخطوط العريضة لبرامجها الانتخابية المقبلة، والتي لم تخرج عن الخطوط الكبرى التي تتضمنها الاستراتيجيات الوطنية الكبرى، ما جعلها تبدو وكأنها إجراءات تطبيقية لهذه المخططات تفتقر للنفس الإبداعي، مما يطرح تساؤلات حول ما إن كان هامش إعداد البرامج الانتخابية مؤطر بكيفية لا تسمح للفاعل الحزبي بطرح بدائل كبرى تظهر التمايز بين الأحزاب السياسية.
وفي هذا السياق، تتباين القراءات بين من يعتبر الاستراتيجيات الوطنية الكبرى أرضية وطنية مشتركة ينصرف التنافس الحزبي إلى كيفية تنزيلها وتمويلها وحكامتها، ومن يرى أنها تقلص هامش المبادرة الحزبية، وتنعكس على طبيعة البرامج الانتخابية ومستوى التمايز بينها.
“تسييج” البرامج الانتخابية!
في هذا الصدد، يرى الحبيب استاتي زين الدين، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، في تصريح لجريدة “ القضية بوست″، أن الحديث عن “تسييج” البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية “ليس التعبير الأدق”، موضحا أن “الاستراتيجيات الوطنية الكبرى، مثل ورش الحماية الاجتماعية أو الجيل الجديد من برامج التنمية، تمثل اختيارات وطنية كبرى ذات نفس استراتيجي طويل، تضمن استمرارية الدولة، وتوفر إطارا مرجعيا للعمل العمومي، لكنها لا ينبغي أن تفهم باعتبارها قيدا على الإبداع الحزبي أو مصادرة لدوره”.
بينما يذهب الأكاديمي والناشط الحقوقي خالد البكاري، في حديثه للجريدة، إلى أن الإشكال لا يتعلق في الأصل بتسييج البرامج الانتخابية، وإنما بطبيعة توزيع الاختصاصات، قائلا: “إذا عدنا إلى البناء الدستوري من حيث هندسته، سنجد أن القضايا الاستراتيجية العابرة للحكومات تدخل ضمن المجال الحصري للاختصاصات الملكية، لكن ما يقع فعليا هو تحويل ما يتعلق بالاختصاصات الحصرية للحكومة إلى ما يسمى تمويها بالبرامج والمخططات الاستراتيجية، من قبيل الدعم الاجتماعي والتنمية المجالية المندمجة”. ويضيف أن هذا الأمر “بدأ مع أول حكومة لما بعد دستور 2011، والتي رسخت لنفس الأعراف التي كانت سائدة قبل ذلك الدستور، والتي تجعل الحكومات تتحمل مسؤولية قرارات لم تكن لها أي يد في إقرارها”.
جوهر التنافس الديمقراطي
ويعتبر استاتي زين الدين أن “جوهر التنافس الديمقراطي” لا يكمن “في الاختلاف حول الثوابت والاختيارات الاستراتيجية للدولة، وإنما في القدرة على تقديم بدائل مختلفة في كيفية تنفيذها، وترتيب أولوياتها، وآليات تمويلها، وجودة حكامتها، وقياس أثرها على التنمية والعدالة الاجتماعية”، مضيفا أن “الديمقراطيات الراسخة لا تتنافس فيها الأحزاب حول وجود الدولة أو اختياراتها الكبرى، وإنما حول السياسات العمومية الأكثر نجاعة في تحقيق تلك الاختيارات”.
ومن جانبه، يرى البكاري أن جوهر الإشكال يتمثل في “إعادة التوازن بين الاختصاصات الحصرية للملك، وتلك التي لرئيس الحكومة، والخروج من منطقة الأعراف المرعية إلى أفق التنزيل الحقيقي للدستور عبر تأويل ديموقراطي”، مؤكدا أن “الإشكال ليس هو تسييج ما سمي بالبرامج الاستراتيجية الصادرة عن المؤسسة الملكية لبرامج الأحزاب السياسية التي تقترحها بمناسبة الحملة الانتخابية”.
أزمة في الفاعل الحزبي
ويطرح أستاذ القانون الدستوري سؤالا يعتبره محور النقاش، قائلا: “السؤال الحقيقي ليس: هل تقيد الاستراتيجيات الوطنية البرامج الانتخابية؟ وإنما: هل تمتلك الأحزاب القدرة البرامجية والفكرية الكافية لتحويل هذه الاستراتيجيات إلى مشاريع سياسية متمايزة، تمنح المواطن إمكانية الاختيار بين رؤى مختلفة في التدبير والإنجاز؟”.
ويضيف أن “البرنامج الانتخابي لا تقاس قيمته بمدى مطابقته للاستراتيجيات الوطنية، وإنما بقدرته على إضافة قيمة إليها، من خلال استثمار الفرص التي تتيحها، والتقليص من التحديات التي تعترضها، وتحويل الإمكانات المتاحة إلى سياسات عمومية ناجعة، وتوسيع دائرة الأمل لدى المواطنين عبر حلول مبتكرة، واقعية، وقابلة للتنفيذ”، مؤكدا أن “الإبداع السياسي يبدأ من تدبير الممكن، وليس من معارضة الممكن أو تكراره”.
وبالمقابل، يرى البكاري أن ما يمنع هذا المسار “ليس فقط التمكين للسلطوية، بل كذلك ضعف الفاعل الحزبي، والذي يبدو أنه مطمئن لهذا الوضع، الذي يعفيه من القيام بواجباته في التأطير والتكوين والمرافعة وإنتاج البرامج والتدافع السياسي الذي يتجاوز التدافع الانتخابي”.
تشابه البرامج الانتخابية
ويشير استاتي زين الدين إلى أن “الإنصاف يقتضي أيضا الإشارة إلى أن الفضاء الحزبي المغربي يشتغل اليوم في ظل تحديات مركبة”. ويوضح أنه “من جهة، هناك تحديات ذاتية تتعلق بضعف التجديد الفكري، وتراجع التأطير السياسي، وهشاشة الديمقراطية الداخلية، وضعف إنتاج النخب والبرامج، وهو ما أثر في الاستقلالية البرامجية لعدد من الأحزاب. ومن جهة أخرى، هناك تحديات موضوعية ترتبط بتنامي دور الاستراتيجيات الوطنية، وتسارع وتيرة الإصلاحات، وتعقد رهانات التنمية، وارتفاع سقف انتظارات المجتمع، بما جعل مجال المبادرة الحزبية أكثر صعوبة وأكثر تطلبا”.
ويخلص استاتي زين الدين إلى أن “الاستراتيجيات الوطنية الكبرى ليست سقفا يقيد الأحزاب، بل هي أرضية وطنية مشتركة تنطلق منها”. ويضيف أن التنافس الحقيقي “يبدأ من اللحظة التي يبدع فيها كل حزب رؤيته الخاصة لتدبير الممكن، وتحويل الفرص إلى إنجازات، والتحديات إلى إمكانات، والطموحات الوطنية إلى سياسات يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية”.
كما يحذر من أنه “حين تتقلص الفوارق البرامجية، وتتراجع القدرة على إنتاج البدائل، تفقد الانتخابات جزءا من معناها التنافسي، ويفقد الحزب جزءا من وظيفته الدستورية باعتباره قوة للاقتراح والتأطير والوساطة بين مؤسسات الدولة ومكونات المجتمع، وصناعة الأمل”.
وفي المقابل، يعتبر البكاري أن “الأحزاب السياسية غير معترضة على واقع أن السياسات العامة الكبرى تصدر عن المؤسسة الملكية، مما يقلص هامش السلطتين التنفيذية والتشريعية المفترض أنهما من مخرجات العملية الانتخابية، بل إن هذه الأحزاب تنتظر ما يصدر عن المؤسسة الملكية من توجيهات أو برامج أو مخططات لكي تحولها إلى عناوين تؤطر برامجها الانتخابية”.
ويضيف أن “هذه البرامج متشابهة إلى حد أنها تبدو وكأنها صادرة عن حزب واحد”، موضحا أنه “إذا كانت التيمة الأبرز لانتخابات 2021 هي ‘النموذج التنموي الجديد’، فإن التيمة الأبرز لبرامج جل الأحزاب خلال المحطة الانتخابية القادمة ستكون هي ‘التنمية المجالية المندمجة’”.
Views: 0