سلّطت زيارة بانكول أديوي، مفوض الاتحاد الإفريقي للشؤون السياسية والسلم والأمن، يوم الثلاثاء إلى المملكة، الضوء على تحولات في مقاربة التهديدات الأمنية داخل القارة؛ وذلك ضمن مباحثاته مع مسؤولين عسكريين بنادي الضباط بالرباط، تمحورت حول سبل تعزيز التعاون والتنسيق في هذا الإطار.
وأظهرت هذه الزيارة أن التحديات لم تعد مقتصرة على الأبعاد التقليدية؛ بل امتدت لتشمل الفضاء الرقمي كجبهة استراتيجية جديدة، في وقت يرسخ فيه المغرب موقعه كشريك محوري في دعم الأمن الإفريقي، سواء من خلال مساهماته في عمليات حفظ السلام أو عبر انخراطه المتقدم في تطوير القدرات السيبرانية لمواجهة المخاطر العابرة للحدود.

وجاء في بلاغ صادر عن القوات المسلحة الملكية أنه، خلال اللقاء، “تم التباحث حول عدد من القضايا المرتبطة بالأمن والاستقرار في القارة الإفريقية، مع التركيز على الدور الذي تضطلع به القوات المسلحة الملكية في عمليات السلام، خاصة ضمن بعثات الأمم المتحدة، إضافة إلى مناقشة المجالات ذات الاهتمام المشترك وسبل تقديم الدعم والمساعدة لفائدة عدد من الدول الإفريقية”.
كما شملت النقاشات قضايا حديثة ذات أهمية متزايدة؛ من بينها التحديات المرتبطة بالأمن السيبراني، وسبل تعزيز القدرات الإفريقية في مواجهة التهديدات الرقمية، إضافة إلى أهمية تنظيم التمارين العسكرية المشتركة بين البلدان الإفريقية لتقوية الجاهزية والتنسيق الميداني.

معيار قاري في الأمن الرقمي
أكد حسن خرجوج، خبير في الأمن السيبراني والهندسة الاجتماعية، أن زيارة مفوض الاتحاد الإفريقي للشؤون السياسية والسلم والأمن إلى الرباط تحمل رسائل واضحة بشأن موقع المغرب في المنظومة الأمنية الرقمية بالقارة.
وأوضح خرجوج، في تصريح لهسبريس، أن هذا اللقاء يعكس تحولا في عقيدة السلام والأمن داخل الاتحاد الإفريقي، حيث لم يعد التركيز مقتصرا على النزاعات المسلحة التقليدية؛ بل بات الأمن السيبراني ركيزة ضمن أولويات القارة.
وأضاف الخبير في الأمن السيبراني والهندسة الاجتماعية أن المغرب يقدّم، من خلال المديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI)، نموذجا متقدما في حماية البنى التحتية الحيوية؛ وهو النموذج الذي يسعى الاتحاد الإفريقي إلى تعميمه كمعيار قاري في مجال الأمن الرقمي.

وأشار الخبير ذاته إلى أن التعاون القائم والاتفاقيات المبرمة تؤكد أن الرباط أصبحت منصة لربط الخبرات الوطنية المغربية بالاحتياجات الإفريقية.
وأبرز المصرح عينه أن الأمر لا يتعلق فقط بتعاون تقني؛ بل ببناء سيادة رقمية قادرة على حماية المعطيات السيادية للدول الإفريقية من التجسس والاختراقات الخارجية.
كما شدد الخبير على أن المغرب يقود حاليا مبادرات تستهدف تعزيز الكفاءات البشرية لدى الجيوش والمنظمات الإفريقية لمواجهة التهديدات السيبرانية العابرة للحدود.

وأكد خرجوج أن المغرب لا يكتفي بتقاسم خبراته؛ بل يضع أيضا بنيته التحتية، بما في ذلك المركز الإقليمي للأمن السيبراني، رهن إشارة الدول الإفريقية في إطار شراكة قائمة على التضامن والتكامل.
من متلقٍّ إلى فاعل
من جهته، اعتبر الطيب الهزاز، خبير في الأمن المعلوماتي، أن الخطوة “تعكس وعيا متزايدا بطبيعة التهديدات الحديثة التي لم تعد تقليدية؛ بل أصبحت عابرة للحدود وتعتمد على الفضاء الرقمي كجبهة رئيسية”. كما أن هذا التقارب يؤكد أن الأمن السيبراني أصبح عنصرا أساسيا في منظومة السلم والأمن داخل القارة الإفريقية، وليس مجرد جانب تقني.
وأشاد الهزاز بخبرة المغرب “المتقدمة في مجال الأمن المعلوماتي وتطوير البنيات التحتية الرقمية، حيث يرسخ موقعه كشريك موثوق وقاطرة إقليمية قادرة على نقل المعرفة وبناء القدرات لدى الدول الإفريقية. كما أن التركيز على تبادل المعلومات، والتدريب، وتنظيم التمارين المشتركة، يعكس توجها عمليا نحو رفع الجاهزية الجماعية لمواجهة الهجمات السيبرانية”.

كما أكد الخبير في الأمن المعلوماتي أن “هذا المسار يبرز أن إفريقيا بدأت تنتقل من موقع المتلقي للتهديدات إلى فاعل يسعى إلى امتلاك أدوات الردع والاستباق”.
وأضاف الهزاز: “نحن أمام تحول نوعي يضع الأمن السيبراني في صلب العمل الإفريقي المشترك، ويؤكد أن المستقبل الأمني للقارة سيُبنى بقدر كبير على قدرتها في تأمين فضائها الرقمي”.

اترك تعليقاً