دخل الاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة في تعاطيه مع أزمة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة، بعدما خلص اجتماع استثنائي لوزراء الداخلية الأوروبيين إلى حزمة من التوجهات الأمنية والعملياتية الرامية إلى تشديد مراقبة الحدود الخارجية، وتعزيز التعاون مع المغرب، وتطوير آليات الإنذار المبكر لمواجهة موجات الهجرة غير النظامية.
وشهد الاجتماع، الذي انعقد اليوم الثلاثاء عبر تقنية التناظر المرئي، توافقاً واسعاً بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والدول المرتبطة باتفاقية “شنغن” على ضرورة التعامل مع ما وقع في سبتة باعتباره اختباراً جماعياً لمنظومة حماية الحدود الأوروبية، مع التأكيد على أن أمن الحدود الخارجية يمثل مسؤولية مشتركة لجميع الدول الأعضاء.
وأكد البيان الختامي للاجتماع أن الوزراء اتفقوا على مواصلة ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين، وتعزيز عمليات إعادة المهاجرين غير النظاميين، وتقوية حماية الحدود الخارجية للاتحاد، إلى جانب بناء شراكات أكثر متانة مع دول المنشأ والعبور، وفي مقدمتها المغرب، مع تطوير قدرات الاستشراف والاستعداد لمواجهة الأزمات المستقبلية.
ومن بين أبرز التوصيات التي خرج بها الاجتماع، العمل على تطوير أنظمة الإنذار المبكر، عبر توسيع جمع المعلومات خارج الحدود الأوروبية، ومراقبة منصات التواصل الاجتماعي، في محاولة لرصد الدعوات والمعلومات المضللة التي قد تدفع آلاف الأشخاص إلى محاولة العبور الجماعي، وهو العامل الذي سبق أن أشارت إليه السلطات المغربية باعتباره أحد أبرز أسباب موجة العبور الأخيرة.
كما شدد الوزراء الأوروبيون على أهمية تحسين تبادل المعلومات والوعي المشترك بتطورات الوضع على الحدود، وتعزيز التنسيق مع الدول الشريكة، بما يضمن إدارة أكثر فاعلية للهجرة، مع دعم المبادرات التي توفر فرصاً اقتصادية واجتماعية في بلدان المنشأ للحد من دوافع الهجرة.
وأعلن المشاركون في الاجتماع تضامنهم الكامل مع إسبانيا، مثمنين سرعة تدخل سلطاتها الأمنية في احتواء الأزمة التي شهدتها سبتة خلال الأيام الماضية، كما قدموا تعازيهم لعائلات الضحايا الذين فقدوا حياتهم أثناء محاولات العبور.
وأفادت المعطيات التي عرضتها السلطات الإسبانية والمفوضية الأوروبية خلال الاجتماع بأن الغالبية الساحقة من الأشخاص الذين دخلوا المدينة بشكل غير نظامي تمت إعادتهم، دون تسجيل انتقالات نحو البر الإسباني أو إلى أي دولة أخرى داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما اعتبرته مدريد دليلاً على نجاح إجراءاتها في احتواء الأزمة.
وفي هذا السياق، قال وزير العدل والشؤون الداخلية والهجرة الإيرلندي، جيم أوكالاهان، إن الاتحاد الأوروبي يقف موحداً لدعم إسبانيا وحماية حدوده الخارجية من الهجرة غير النظامية، مؤكداً أن ما وقع في سبتة يبرز الحاجة إلى استجابة أوروبية منسقة، وتطوير أدوات التعاون والاستعداد قبل الاجتماعات الأوروبية المقبلة.
وخلال الاجتماع، قدم الوفد الإسباني، إلى جانب المفوضية الأوروبية وجهاز العمل الخارجي الأوروبي، تقييماً مفصلاً للأحداث التي عرفتها سبتة، وللوضع الحالي على الحدود الجنوبية للاتحاد.
وأشاد وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، بالدور الذي لعبه المغرب في تدبير الأزمة، منوهاً بتعاون السلطات المغربية في إعادة الأشخاص الذين دخلوا المدينة بطريقة غير قانونية، وهو ما ساهم، بحسبه، في استعادة السيطرة على الوضع خلال فترة وجيزة.
وأوضح المسؤول الإسباني أن نحو 72 ألف شخص تمكنوا من دخول سبتة خلال موجة العبور الأخيرة، قبل أن يعود معظمهم إلى المغرب، مؤكداً في الوقت نفسه أن وزارته لم تتلق أي تحذيرات مسبقة من أجهزة الاستخبارات الإسبانية أو من مصالح الشرطة والحرس المدني بشأن احتمال وقوع هذا التدفق الجماعي.
وجدد مارلاسكا التزام بلاده بحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي وتطبيق التشريعات الأوروبية ذات الصلة، مشيراً أيضاً إلى أن أعداد المهاجرين الوافدين إلى إسبانيا بطرق غير نظامية سجلت انخفاضاً بأكثر من 42 في المائة مقارنة بالفترة نفسها، مع تراجع يقارب 25 في المائة على المستوى الوطني وفق أحدث البيانات المتوفرة إلى غاية 16 يوليوز.
وفي موازاة الاجتماع الوزاري، برز دعم جديد للمغرب من داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بعدما اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، تعزيز التعاون مع الرباط من خلال توفير دعم تقني ومالي للمملكة في مجال تدبير الحدود.
وفي رسالة وجهتها إلى رئيس الوزراء الإسباني، شددت فون دير لاين على أن الاتحاد الأوروبي مطالب ببذل جهود إضافية لتعزيز أمن حدوده عند النقاط الأكثر حساسية، معتبرة أن التعاون مع إسبانيا، خصوصاً في سبتة ومليلية، يجب أن يشمل تطوير أنظمة الإنذار المبكر وتحسين الدعم الفني والمالي الموجه إلى المغرب، في إطار مقاربة مشتركة لإدارة الحدود.
وجاء هذا الموقف بعد أيام من أزمة العبور الجماعي التي هزت المدينة، والتي أسفرت، وفق السلطات الإسبانية، عن وفاة عشرات الأشخاص أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة، بينما تباينت التقديرات بشأن عدد المشاركين في العملية بين الرواية الإسبانية والمعطيات التي أعلنتها السلطات المغربية.
وفي المقابل، أكدت وزارة الداخلية المغربية أن موجة العبور كانت نتيجة انتشار معلومات مضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واستغلال شبكات الاتجار بالبشر لتأويلات مغلوطة لمعطيات قانونية وإدارية، وهو تفسير يتقاطع مع ما خلص إليه الاجتماع الأوروبي من ضرورة مراقبة الفضاء الرقمي وتعزيز آليات الإنذار المبكر.
وتعكس مخرجات الاجتماع الأوروبي اتجاهاً متزايداً داخل الاتحاد نحو تشديد سياسة الهجرة، عبر الجمع بين تعزيز حماية الحدود، وتكثيف التعاون مع دول الجوار، ومواصلة مكافحة شبكات التهريب، مع التركيز على تحسين التنسيق الإعلامي خلال الأزمات، لمواجهة حملات التضليل والتدخل الخارجي التي قد تستغل ملفات الهجرة لإحداث ضغوط على الحدود الأوروبية.
Views: 0