الحكومة المقبلة أمام تحدي إعادة بناء المنظومة الصحية بالمغرب

لا يزال حوالي 8.54 ملايين شخص في المغرب محرومين من الولوج الفعلي إلى العلاج، رغم وصول عدد المسجلين في منظومة التغطية الصحية إلى نحو 32 مليون شخص سنة 2025، أي ما يقارب 88 في المائة من السكان، في مفارقة تضع مسار إصلاح المنظومة الصحية أمام اختبار الانتقال من توسيع التغطية إلى ضمان استفادة فعلية من الخدمات الصحية.

وتبرز هذه المفارقة في تقرير أنجزه الطبيب والباحث في السياسات الصحية الطيب حمضي في يوليوز 2026 حول إعادة بناء المنظومة الصحية بالمغرب، والذي يرصد أبرز التحولات التي عرفها القطاع خلال خمس سنوات من الإصلاح، في وقت بات فيه قياس أثر هذه الأوراش مرتبطا، وفق التقرير، بمدى قدرة المواطن على الوصول إلى العلاج والاستفادة من خدمة صحية جيدة وتحمل كلفتها.

موارد أكبر وإصلاحات واسعة

سجل التقرير ارتفاع الميزانية المخصصة لقطاع الصحة من حوالي 19.7 مليار درهم سنة 2021 إلى نحو 42.4 مليار درهم سنة 2026، بالتزامن مع أوراش لإعادة تنظيم المنظومة الصحية وإرساء حكامة جديدة وإحداث مؤسسات متخصصة.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى مجموعة من التحولات المؤسساتية التي عرفها القطاع، من بينها إحداث الهيئة العليا للصحة، والوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، والوكالة المغربية للدم ومشتقاته، فضلا عن المجموعات الصحية الترابية.

ويؤكد التقرير أن إعادة بناء المنظومة لا ترتبط فقط بتغيير الهياكل والمؤسسات، وإنما تستهدف أيضا إعادة تنظيم العرض الصحي وتحسين جودة التكفل بالمرضى، وتعزيز الرعاية الصحية الأولية والوقاية.

الولوج إلى العلاج والموارد البشرية

ومن جهة أخرى، يبرز التقرير أن الاستفادة من التغطية الصحية لا تعني بالضرورة الوصول الفعلي إلى العلاج، إذ تظل هذه الاستفادة مرتبطة بتوفر المؤسسات الصحية والأطر الطبية والتمريضية، فضلا عن جودة الخدمات وتوزيعها بين مختلف مناطق المملكة.

وفي هذا الصدد، يسلط التقرير الضوء على الموارد البشرية باعتبارها أحد أبرز التحديات المطروحة أمام المنظومة، مشيرا إلى حاجتها إلى نحو 30 ألف طبيب وأكثر من 60 ألف مهني صحي، في ظل استمرار إشكالية توفير الأطر وتوزيعها بشكل متوازن.

كما يضيف أن التفاوت في توزيع الموارد البشرية والعرض الصحي يؤثر في قدرة المواطنين على الولوج إلى الخدمات، خصوصا في المناطق التي لا تتوفر فيها المؤسسات والأطر الصحية بالقدر الكافي.

ولا يقف التحدي عند توفير الموارد، إذ يشدد التقرير على أهمية تحسين جودة الرعاية واستمرارية التكفل بالمرضى، وتعزيز الرعاية الصحية الأولية والوقاية، باعتبارها مكونات أساسية في مسار إصلاح المنظومة الصحية.

كلفة العلاج والحماية المالية

وبالتوازي مع إشكالية الولوج وجودة الخدمات، يضع التقرير الحماية المالية من تكاليف المرض ضمن الاختبارات الأساسية لإعادة بناء المنظومة الصحية، بالنظر إلى تأثير نفقات العلاج على قدرة الأسر على تحمل تكاليف المرض.

ويؤكد التقرير أن قياس أثر الإصلاح لا ينبغي أن يتوقف عند مؤشرات التغطية أو إحداث المؤسسات، بل يتعين أن يمتد إلى مدى قدرة المواطن على الوصول إلى خدمة صحية جيدة، والاستفادة منها بشكل عادل، وتحمل كلفتها.

ويخلص التقرير إلى أن المرحلة المقبلة من إصلاح المنظومة الصحية تقتضي الانتقال من إصلاح النصوص والهياكل والمؤسسات إلى إصلاح يلمس المواطن نتائجه في حياته اليومية، من خلال تحسين الولوج إلى العلاج، والارتقاء بجودة الخدمات، وتعزيز العرض الصحي، وضمان حماية أكبر من تكاليف المرض.

Views: 0

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.