بدد نزار بركة، وزير التجهيز والماء، المخاوف المرتبطة بمآلات تدبير الموانئ في إطار مشروع القانون المتعلق بتحويل الوكالة الوطنية للموانئ إلى شركة مساهمة، مؤكدا أن هذه المنشآت ستظل مملوكة للدولة بنسبة مئة في المئة، وأن استمرارية عملها مضمونة حتى في الحالات التي لا تحقق فيها مردودية مالية، معبرا بالمقابل عن تجاوبه مع تعديلات برلمانية متعلقة بتعزيز التحول الرقمي وتطوير الموانئ الذكية وترسيخ المسؤولية الاجتماعية للشركة.
استمرارية الموانئ
جاء ذلك خلال تفاعل بركة، اليوم الثلاثاء في اجتماع لجنة البنيات الأساسية، مع تعديل قدمته المجموعة النيابية للعدالة والتنمية على المادة 34 من مشروع قانون رقم 34.25 يقضي بتحويل الوكالة الوطنية للموانئ إلى شركة مساهمة، والذي اقترح إضافة مقتضى ينص على “التزام الشركة بضمان استمرارية الخدمة العمومية والتوازن المجالي بين الموانئ، وألا يتم إغلاق أو تقليص أو إهمال أي مرفق مينائي ذي منفعة اقتصادية أو اجتماعية أو استراتيجية إلا بموجب مرسوم معلل وبعد تقييم ميداني للآثار”.
وأوضحت النائبة البرلمانية فاطمة الزهراء باتا أن سبب هذا التعديل يعود إلى أن “26 في المئة من موانئ الوكالة تعاني حاليا من عجز هيكلي، كما أن هناك ثلاثة موانئ فقط تحقق إيرادات وأرباحا، وهذا يثبت أن المنظومة تقوم اليوم على التضامن بين الموانئ”، مبرزة أن السؤال المطروح اليوم هو: “من الذي سيحمي الموانئ ذات العجز الهيكلي وغير المربحة؟ فإذا اعتمدنا منطق الشركة التجارية فسنركز فقط على المردودية، بغض النظر عن الأبعاد الجهوية للموانئ، وعن كونها ينبغي أن تكون محركات للتنمية في محيطها الحضري والاقتصادي”.
ورفض بركة هذا التعديل، مفيدا أن الغاية منه منصوص عليها بالفعل في مشروع القانون، وتحديدا في المادة السادسة المعدلة للمادة 34 من القانون 15.02 المتعلق بالموانئ، التي تنص صراحة على أن شركة موانئ المغرب تتولى استغلال كل نشاط مينائي لم يتم إسناده إلى أحد الفاعلين المينائيين، ضمانا لاستمرارية المرفق العام.
ومن جهة أخرى، شدد الوزير على أن إغلاق الموانئ يدخل ضمن اختصاص السلطة الحكومية المكلفة بالموانئ، وليس من اختصاص الشركة، مجيبا على التخوف الذي عبرت عنه النائبة بأن الشركة ستكون مملوكة للدولة بنسبة مئة في المئة، وأن استمرارية الموانئ ستظل مضمونة، مضيفا أنه اليوم توجد العديد من موانئ الصيد البحري غير مربحة ومع ذلك تواصل عملها.
مهام الضبط والشرطة المينائية
ومن جهة أخرى، اقترحت باتا فيما يتعلق بتدبير الموانئ، إضافة عبارة تنص على أن تظل مهام الضبط المينائي والشرطة المينائية والسلامة والأمن والمراقبة البيئية من اختصاص سلطة عمومية تنظيمية مستقلة أو من اختصاص الإدارة، ولا يجوز للشركة ممارستها إلا في حدود التنفيذ التقني وتحت المراقبة المباشرة للسلطة التنظيمية.
ودافعت عن هذا التعديل بأن “الوكالة تمارس اليوم صلاحيات الضبط العمومي، وفي الأدبيات الدولية الحديثة، يظل نجاح تحول المؤسسات مرتبطًا بالتوازن بين الاستقلال التجاري والمساءلة العمومية، وبوضوح توزيع الأدوار بين المنظم والمشغل”، مبرزة أنه “حين تذوب السلطة التنظيمية داخل منطق الشركة فإن المخاطر تزداد”، مضيفة أن “عددا من الدول يتجه حاليا إلى تكريس الفصل بين المنظم والمشغل بدل الجمع بينهما، ومن بينها سنغافورة والصين، لذلك جاء هذا التعديل من أجل الفصل بين الأدوار وتفادي أي خلط بينها”.
وفي رده اعتبر بركة أن هذا التعديل غير مقبول، لأن “مهام الضبط المينائي تتولاها عدة سلطات عمومية سيادية متدخلة في الميناء، من قبيل إدارة الجمارك والأمن الوطني وسلطات مراقبة الحدود والسلطات المكلفة بالمراقبة الصحية”.
وفيما يتعلق بممارسة مهام شرطة الموانئ، أكد المسؤول الحكومي، أن القانون رقم 15.02 المتعلق بالموانئ، في مادته الثامنة، يصنفها ضمن أنشطة التدبير، وليس عملا متصلا بأعمال الضبط أو السيادة، مشيرا إلى أن المادة 60 من القانون المذكور تجيز لأعوان يعينهم أصحاب امتيازات الاستغلال المينائي ممارسة مهام الشرطة المينائية، وهو ما يفيد بأن القانون يسمح بممارسة هذه المهام من قبل أشخاص خاضعين للقانون الخاص، لافتا إلى أن الشرطة المينائية تمارس حاليا من طرف شركة السلطة المينائية طنجة المتوسط على مستوى ميناء طنجة المتوسط.
افتحاص عقود الامتياز والاستغلال
ومن جهة أخرى، تقدمت المجموعة بتعديل يروم إضافة مقتضى يتعلق بإبرام اتفاقيات الامتياز ومنح حقوق الاستغلال، وذلك بإضافة عبارة تنص على أن جميع عقود الامتياز والتفويض والاستغلال تخضع لافتحاص تقني ومالي مستقل مرة كل سنتين على الأقل، مع نشر خلاصاته غير السرية للعموم، وإلزام المستفيدين بتمكين السلطة التنظيمية من جميع البيانات والوثائق.
وجاء هذا التعديل، بحسب باتا، لأن المجلس الأعلى للحسابات سبق أن شخص وجود اخفاقات هيكلية في حكامة الموانئ، حيث لا يوجد أي تقييم للإصلاح الذي تم سنة 2006، رغم مرور أكثر من 16 عاما عليه. كما لا يوجد افتحاص للمفوض لهم، ولا جرد للبنايات أو مسطرة موحدة للامتيازات، مفيدة أنه قبل نقل السلطة إلى الشركة كان الأولى أن إصلاح سلطة الرقابة وتنظيم المعطيات والأصول والامتيازات، مفيدة أن هذا التعديل استجابة للملاحظات التي أثارها المجلس الأعلى للحسابات.
وأجاب نزار بركة بعدم قبول التعديل لأنه “يتعارض مع نظام الامتيازات والرخص المينائية المنظمة بموجب القانون 15.02، الذي يحدد كيفية منح الامتيازات والرخص وفق مبادئ المنافسة، ويضبط شروط الاستغلال من خلال دفاتر التحملات. وبالتالي فإن شركة موانئ المغرب، بصفتها الجهة المانحة للامتياز أو الرخصة، تحتفظ بسلطات المواكبة والإشراف والمراقبة والتوجيه بشكل مستمر ووفق ضوابط محددة، مؤكدا في هذا الصدد أن عمليات المراقبة والتقييم موجودة.
التحول الرقمي والمسؤولية الاجتماعية
وضمن تعديل آخر، اقترحت المجموعة النيابية إضافة بند ينص على اعتماد الرقمنة والتحول الرقمي في تدبير الموانئ، بما يساهم في تسهيل المساطر وتحسين جودة الخدمات، مفيدة أن “هناك حاجة ملحة إلى رقمنة موانئ بلادنا حتى تصبح أكثر سرعة وفعالية”، مع إضافة بند آخر يتعلق بالالتزام بالمسؤولية الاجتماعية من خلال المساهمة في التنمية المحلية للمناطق المينائية عبر مشاريع اجتماعية واقتصادية.
وأقترحت التنصيص على أن الملك العمومي المينائي والملك العمومي البحري يظلان في ملكية الدولة وغير قابلين للتفويت أو الرهن أو الحجز، ولا يوضعان رهن إشارة الشركة إلا بموجب عقود وتحديدات دقيقة تستند إلى مطابقة محاسباتية وقانونية مصادق عليها، مؤكدة أن هذا التعديل يأتي تجاوبا مع توصيات المجلس الأعلى للحسابات، الذي سجل غياب استراتيجية واضحة لتدبير البنيات القابلة للامتياز، وغياب جرد مناسب لها، بما قد يترتب عنه خطر ضياع الأصول، لذلك يهدف هذا التعديل إلى إبقاء الملك العمومي المينائي خارج التداول التجاري، مع الاقتصار على وضعه رهن إشارة الشركة بموجب عقود خاصة.
وعبر الوزير عن قبوله للتعديل مع إعادة صياغة المادة على النحو التالي: “المساهمة في تطوير الموانئ الذكية، وتعزيز التحول الرقمي، وحماية البيئة، والتنمية المستدامة في المجال المينائي”، معبرا أيضا عن قبول التعديل المرتبط بالمسؤولية الاجتماعية للشركة.
مضيفا أن التعديل الآخر “غير مقبول، لأن الملك العمومي المينائي يخضع لمقتضيات الحماية المنصوص عليها في القانون 15.02 المتعلق بالموانئ، وظهير 1914 المتعلق بالملك العام، وظهير 1918 المتعلق برخص الاحتلال المؤقت للملك العام، الأمر الذي لا يخشى معه أي مساس بهذا الملك”.
Views: 0