أجمع خبراء وأكاديميون، مغاربة وأجانب، على أن الخطاب الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى الأمة بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، يؤسس لمرحلة جديدة في مسار التنمية الوطنية، قوامها الانتقال من منطق إطلاق الأوراش الكبرى إلى ترسيخ مكتسباتها وتسريع وتيرة تنزيلها، مع تعزيز السيادة الاقتصادية والرفع من تنافسية الاقتصاد الوطني. كما اعتبروا أن الخطاب الملكي يجسد رؤية استراتيجية واستشرافية ترسم خارطة طريق واضحة للمستقبل، وتكرس مكانة المملكة كقوة إقليمية وقارية صاعدة، بفضل ما راكمته من إنجازات اقتصادية وتنموية ودبلوماسية.
وفي هذا السياق، أكد الأستاذ بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، عبد الخالق التهامي، أن الخطاب الملكي يرسم “خارطة طريق واضحة للمستقبل”، في استمرارية للمنجزات الكبرى التي حققها المغرب في مجالات البنيات التحتية والتنمية البشرية خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح التهامي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن “المغرب، بفضل رؤية ملكية استراتيجية واستشرافية، نجح في تحقيق تحول حقيقي لاقتصاده، مدفوعا بمشاريع كبرى من قبيل المركب المينائي طنجة المتوسط، وتوسيع شبكة الطرق السيارة، وتطوير شبكة السكك الحديدية، وبناء السدود، مما مكن المملكة من تنويع روافع نموها”.
وأضاف أن الخطاب الملكي يشكل دعوة إلى مواصلة العمل من أجل تنفيذ وتسريع وتيرة مختلف الأوراش التي تم إطلاقها، بما في ذلك تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، والجهوية، والحد من الفوارق المجالية.
كما أبرز أن هذه الرؤية الملكية الاستراتيجية تعزز الموقع المحوري للمملكة على الساحة الدولية، ومكانتها باعتبارها مستثمرا رائدا في إفريقيا، وقدرتها على استقطاب استثمارات كبرى في قطاعات المستقبل، من قبيل الهيدروجين الأخضر، مبرزا في الآن ذاته النجاحات الدبلوماسية التي راكمها المغرب، تحت قيادة جلالة الملك، بشأن قضية الصحراء المغربية.
ومن باريس، اعتبر رئيس معهد الاستشراف والأمن في أوروبا، إيمانويل دوبوي، أن خطاب العرش يجسد الانتقال من مرحلة تحديد الأهداف إلى مرحلة ترسيخ المكتسبات، بما يعكس دينامية المملكة ومكانتها كقوة إقليمية وقارية وازنة.
وأوضح دوبوي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الخطاب اتسم بمضامينه الاستراتيجية، وعكس نجاح التوجهات التي تم اعتمادها خلال السنوات الأخيرة، مضيفا: “إننا أمام خطاب يؤكد مكانة المغرب كقوة صاعدة”، إذ أصبحت المملكة اليوم قادرة على إبراز النتائج التي حققتها وترسيخ السياسات العمومية التي أطلقتها.
وأشار أستاذ الجيوسياسية بالجامعة الكاثوليكية بمدينة ليل إلى أن خطاب جلالة الملك يجدد التأكيد على مكانة المغرب كقوة إفريقية راسخة، مستندا إلى التحولات الاقتصادية والدبلوماسية والبنيات التحتية التي شهدتها المملكة، لاسيما الاستثمارات المهيكلة، وتطوير البنيات التحتية، والسياسة الإفريقية للمغرب.
وسجل أن الخطاب الملكي لم يقتصر على استعراض حصيلة المنجزات، بل رسم كذلك التوجهات الكبرى للمرحلة المقبلة من التنمية الوطنية، مجسدا إرادة ثابتة لترسيخ المكتسبات، مع تسريع مرحلة جديدة من التنمية تقوم على مسؤولية مختلف الفاعلين السياسيين وتعزيز نجاعة العمل العمومي.
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي والأكاديمي عبد الرزاق الهيري أن الخطاب الملكي يرسم معالم مرحلة جديدة للتنمية ترتكز على السيادة الاقتصادية والابتكار والتنافسية، ويمثل “خارطة طريق استراتيجية” تروم تكريس أسس القوة الاقتصادية للمملكة، من خلال تعزيز الاستقرار المؤسساتي، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية، وتسريع تحول النسيج الإنتاجي الوطني.
وأوضح الهيري أن جلالة الملك أبرز الرافعات الأساسية لتنافسية الاقتصاد المغربي، وفي مقدمتها قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية، معتبرا أن هذه الدينامية تعزز تموقع المغرب كمنصة صناعية مندمجة وتنافسية.
وأضاف أن الخطاب يعكس أيضا رؤية استشرافية لإعداد المملكة للتحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، خاصة عبر تطوير منظومات البطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر، والتكنولوجيات الحديثة، وهي قطاعات من شأنها تعزيز السيادة الطاقية والصناعية للمغرب.
وفي البعد المالي، اعتبر الخبير الاقتصادي أن دعوة جلالة الملك إلى تعبئة أكبر للموارد المالية الوطنية تعكس إرادة راسخة في جعل التمويل محركا للتحول الاقتصادي، عبر توجيه قدرات القطاع البنكي، وأسواق الرساميل، والمستثمرين المؤسساتيين نحو الاستثمارات المنتجة، والابتكار، والمقاولات الصغرى والمتوسطة، وكذا دعم الصادرات.
كما شدد الهيري على أن الخطاب الملكي يضع البعد الاجتماعي في صلب العملية التنموية، انطلاقا من قناعة مفادها أن النمو الاقتصادي لا يمكن أن يكون مستداما دون تحسين ظروف عيش المواطنين والحد من التفاوتات المجالية، من خلال تعميم الحماية الاجتماعية ومواصلة برامج التنمية المندمجة.
وخلص إلى أن الرؤية الملكية تعكس طموح المملكة لبلوغ مرحلة جديدة من التنمية، تقوم على ترسيخ السيادة الصناعية، وتعزيز الجاذبية الاقتصادية، وتشجيع نمو أكثر إدماجا واستدامة وخلقا للقيمة، بما يعزز مكانة المغرب كفاعل اقتصادي إقليمي رائد.
Views: 0