على بعد ساعات من بداية الاقتراع للانتخابات البرلمانية يوم غد 23 شتنبر 2026، تبقى الخريطة الانتخابية خاضعة لعدة متغيرات في اللحظات الأخيرة، خاصة على مستوى من يتصدر نتائج الانتخابات وسيشكل الحكومة المقبلة.
ولأول مرة نجد أنفسنا أمام انتخابات برلمانية بطعم خاص، بحيث يتصارع حزبان حليفان ومتشابهان على من سيفوز بالمرتبة الأولى، وفي نفس الوقت يُتوقع أن يشكلا أيضا بعد الانتخابات النواة الصلبة للأغلبية المقبلة.
طبيعة الخريطة المتحكمة في الانتخابات:
بالنظر لطبيعة الخريطة الانتخابية بالمغرب، فان الدوائر الصغرى (وخاصة ذات الأغلبية القروية) هي التي ستحسم المرتبة الأولى، ولن يكون هناك تصويت سياسي كما حدث في 2011 أو 2016، كما لن نشهد أي تصويت عقابي ضد أحزاب المشكلة للحكومة المنتهية ولايتها (خلافا لما قد يبدو في مواقع التواصل الاجتماعي).
فالدوائر الانتخابية الكبرى التي تضم 5 أو 6 مقاعد عددها لا يتجاوز 8 دوائر انتخابية فقط في المجموع (من أصل 92 دائرة)، أما الدوائر التي تضم أربعة مقاعد فعددها 22 دائرة انتخابية.
وهاته الدوائر كلها، وبنسبة كبيرة جدا، ستحصل فيها الأحزاب الرئيسية (خاصة الپام والأحرار) على مقاعدها بشكل عادي، ولن تشكل فارقا انتخابيا بينهما، إذ تشكل في مجموعها 30 مقعدا محتملا لكلا الحزبين في أفضل الحالات.
في حين أن الصراع الانتخابي الحقيقي سيتركز بالأساس في الدوائر الصغرى، سواء التي تضم ثلاثة مقاعد (عددها يصل إلى 42 دائرة) أو التي تضم مقعدين برلمانيين (عددها يصل إلى 20 دائرة انتخابية).
فمن سيتمكن من الفوز بمقعد برلماني في أغلب أو جل هاته الدوائر (62 دائرة انتخابية) سيفوز بالضرورة بالمرتبة الأولى، وهو ما يفسر الغموض الذي يبدو لحد الآن حول هوية الفائز بالانتخابات غدا الأربعاء.
وتبقى الدوائر الجهوية المخصصة للنساء (12 دائرة انتخابية) بدورها جزءا من الحساب الانتخابي، إذ إن الحزبين الرئيسيين سيضمنان مقاعدها بجل الدوائر الجهوية (12 مقعدا للپام و11 مقعدا للأحرار).
سيناريوهات تحدد طبيعة الفائز المحتمل بالمرتبة الأولى:
كما تمت الإشارة إليه سالفا، فإن الحزب الذي سيتمكن من الفوز بمقعد برلماني في أغلب أو جل الدائر الصغرى (التي تضم مقعدين أو ثلاثة مقاعد) سيحسم الفوز بالانتخابات التشريعية، وخاصة حزبي البام والأحرار، على اعتبار أن هذين الحزبين (كما باقي الأحزاب الكبرى الرئيسية) ستحسم حصولها على مقاعد نيابية بالدوائر الكبرى التي تضم 4 إلى 6 مقاعد وعددها 30 دائرة في المجموع.
أما إذا استطاع أحد الحزبين حسم الفوز بالدوائر الصغرة التي يصل عددها إلى 62 دائرة/مقعد، فسيفوز بالمرتبة الاولى في انتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر.
وأمام هاته الأرقام، تبقى التوقعات صعبة نسبيا، غير أن الاتجاه الميداني خلال الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية يميل نسبيا نحو فوز الأصالة والمعاصرة بالمرتبة الأولى، بالنظر للدينامية الاستثنائية التي عرفها خلال الأسابيع الأخيرة بعد التحاق فوزي لقجع وقيامه بتحركات ماراطونية في مختلف مدن وجهات المملكة لبناء شبكات دعم قوية لمرشحي الپام بمختلف الأقاليم، وهو الأمر الذي جعل الكفة تميل نسبيا لإمكانية فوز الپام، رغم أن تحركات رئيس الحكومة الحالي وقيادات الأحرار لا يمكن الاستهانة بها.
فرغم هذا الوضع، يبقى هامش المناورة متاحا أمام الأحرار، الذي حاول بدوره التركيز على تعبئة كبيرة وواسعة للشبكات المرتبطة به بمختلف مناطق المملكة لتحقيق ما يسمى “ريمونتادا انتخابية”.
وفي العموم أعتقد أن النتائج بين الأحرار والپام ستكون جد متقاربة، بحيث لن يتجاوز الفرق بينهما خمسة مقاعد في أفضل الحالات، أي أن الحزب الفائز بالمرتبة الأولى لن يتجاوز 90 إلى 92 مقعدا على الأكثر، في حين أن الحزب الثاني قد يحصل على نتايج قريبة منه بين 85 و90 مقعدا.
كما قد نشهد مفاجآت انتخابية تتعلق بالتقارب الكبير في النتائج، بحيث قد يصل الفارق بينها لمقعد واحد فقط، أو قد يحصل عندها أحد الحزبين على المرتبة الأولى من حيث عدد الأصوات ويفوز الحزب الآخر بالمرتبة الأولى في عدد المقاعد، وعندها قد نكون أمام اجتهادات أو أوضاع دستورية غير مسبوقة.
من سيكون رئيس الحكومة المقبلة؟
إن الحديث المتواتر في مختلف وسائل الإعلام حول طبيعة رئيس الحكومة المقبل يعتبر انحرافا سياسيا غير مسبوق، إذ لا يمكن أن يحسم الآن، لأن الأمر مرتبط بشرطين دستوريين أساسيين: الفوز أولا بالانتخابات، ثم الاختصاص الحصري لجلالة الملك الذي يبقى واسعا ولا يمكن اختزاله في أسماء معينة.
وأعتقد أن النقاش الذي كان سائدا خلال الأيام الأخيرة كان خطأً وكان سابقا لأوانه، ولا يمكن للفاعل السياسي أو الحزبي أن يتجاوز النص الدستوري والاختصاصات والأحكام التي يتضمنها.
وإذا كان بعض السياسيين قد لمحوا سابقا لإمكانية تعيين فوزي لقجع رئيسا للحكومة، على أساس أن التحاقه بالپام يعني بأن الترتيبات جارية لفسح المجال لترؤسه الحكومة المقبلة، فإن هذه القراءة تبقى جد سطحية، وسياسيا قد تضر به هو شخصيا.
إذ إن تعقد المشهد السياسي المغربي، وطبيعة الاجتهادات الدستورية، لا يسمحان ببناء قناعات من هذا القبيل. وأنا شخصيا استغربت من بعض المواقف المتشنجة التي تبنتها بعض القيادات الحزبية عندما اعتبرت أن دخول فوزي لقجع للمعترك الحزبي يعني بالضرورة تهييئه لرئاسة الحكومة، رغم أن هذا السيناريو يبقى بدوره قائما مثله مثل باقي الاحتمالات، لكن في نهاية المطاف يبقى الأمر من صميم الاختصاص الدستوري الحصري لجلالة الملك.
لذا أعتقد أننا يمكن أن نرى تجارب مختلفة عما كان سائدا، وفقا لأحكام الدستور نفسه، فقد نكون عند فوز الپام بالمرتبة الأولى أمام قيام جلالة الملك بتعيين فوزي لقجع أو أي قيادي آخر بالپام، مثلما قد نشهد أول امرأة تترأس الحكومة، في حين أن فوزي لقجع سيستمر عندها في دوره الرئيسي خلال الخمس سنوات المقبلة، وهو دور منهجي وقيادي لبناء مسار جديد لحزب الپام، خاصة وأنه سيستمر (كوزير محتمل في الحكومة) في الإشراف على تنزيل البرنامج الملكي حول التنمية المجالية المندمجة (المخصص لها 220 مليار درهم) والإعداد لتنظيم كأس العالم 2030.
أما إذا حافظ حزب الأحرار على المرتبة الأولى في اقتراع 23 شتنبر المقبل، فقد نشهد مفاجآت حقيقية في تعيين رئيس الحكومة المقبلة، إذ يبقى عندها أيضا الاختصاص الحصري للملك هو السائد، بحيث قد يتم تعيين رئيس الحزب محمد شوكي، أو أحد قياديي أو وزراء الحزب الحاليين أو السابقين، أو حتى رئيس الحكومة المنتهية ولايته عزيز أخنوش.
كما قد نكون أمام حالة استثنائية عند تعادل الحزبين في عدد المقاعد، كما قد يفوز حزب بالمرتبة الأولى بفارق مقعد عن الحزب الثاني الذي قد يفوز بأكبر عدد الأصوات وطنيا (على اعتبار أن الفصل 47 لم يحدد طبيعة الفائز بالانتخابات!!)…
Views: 0