اليوم الدولي للدبلوماسية يبرز انخراط المغرب في نادي مهندسي السلام العالمي


في اليوم الدولي للتعددية والدبلوماسية من أجل السلام، الذي يُحتفل به في 24 أبريل من كل سنة، تبرز تجارب الدول التي استطاعت تحويل موقعها الجغرافي والسياسي إلى رافعة للتأثير الدولي، متجاوزة منطق المحاور الضيقة إلى فضاءات صنع القرار المشترك في عالم بدأت تتهاوى فيه التعددية تحت وطأة الاستقطاب الحاد بين القوى الدولية، وتتجاوز فيه الدبلوماسية مجرد حضور القمم إلى هندسة حلول السلام.

وفي هذا السياق، يؤكد مهتمون أن المغرب، الذي يترأس لجنة السلام التابعة للأمم المتحدة، يبرز كنموذج لدولة لم تعد تنتظر من النظام الدولي أن يمنحها موقعا قياديا؛ بل صنعت هذا الموقع بقدرتها على تحويل رؤيتها الوطنية إلى أداة للسلام القاري والدولي من خلال عدد من المبادرات التي تروم ربط الفضاءات الجيوسياسية المختلفة في منظومة واحدة من المصالح المشتركة، مبرزين في الوقت ذاته أن استمرار نجاح هذا النموذج سيظل رهينا بالقدرة على إدارة صراع المحاور في العالم واستيعاب متغيرات عالم تتصارع فيه النزعة السيادية مع متطلبات التعددية.

محطة مفصلية وتوجهات كبرى

قال البراق شادي عبد السلام، خبير دولي في إدارة الأزمات وتحليل الصراع وتدبير المخاطر، إن “رئاسة المغرب للجنة بناء السلام التابعة للأمم المتحدة تعد محطة مفصلية تتجاوز البروتوكول الدولي المعتاد، إذ تضع المملكة في قلب صناعة القرار المتعلق باستقرار القارة الإفريقية والمناطق الهشة عالميا؛ وهي ثمرة مباشرة للرؤية الملكية المستنيرة في العمل الدبلوماسي”.

وأضاف البراق، في تصريح لهسبريس، أن “هذه الخطوة تحمل دلالة سياسية قوية على نضج التجربة المغربية، حيث انتقلت من دور المنسق إلى دور القيادة في صياغة استراتيجيات ما بعد النزاعات، مستحضرة في ذلك أرشيفا غنيا من الوساطات الناجحة؛ وعلى رأسها مسلسل السلام في الصخيرات الذي أرسى قواعد المصالحة الليبية”.

وأكد الخبير الدولي في إدارة الأزمات وتحليل الصراع وتدبير المخاطر أن “الانتقال النوعي للمغرب نحو دور المصمم والمخطط في المنظومة الأممية يتجسد عبر قدرته الفريدة على ابتكار نماذج للتعاون جنوب-جنوب، وهي ممارسة تكرس العقيدة الدبلوماسية المغربية القائمة على الوضوح والطموح ورفض منطق المساعدات الهشة”.

وتابع بأن “المغرب لم يعد يكتفي بإرسال القبعات الزرق أو المساهمة في الميزانيات الأممية؛ بل أضحى يقدم المشاريع القارية المهيكلة كحلول جيوسياسية عملية، تبرز منها المبادرة الملكية لتسهيل ولوج دول الساحل للواجهة الأطلسية التي تهدف إلى فك العزلة عن دول جوهرية في الاستقرار القاري”، لافتا إلى أن “هذا التوجه يتكامل مع المشروع الهيكلي أنبوب الغاز الأطلسي الإفريقي الذي يربط الاقتصادات الطاقية لأكثر من ثلاث عشرة دولة، محولا المنطقة إلى قطب جذب للاستثمارات الدولية”.

وشدد على أن “هذا التحول يعني أن المغرب بات يمتلك المبادرة في طرح الأجندات، واضعا بصمته الخاصة على التوجهات الكبرى التي تحكم العلاقات الدولية المعاصرة من خلال ربط الأمن الاقتصادي بالاستقرار السياسي والاجتماعي، إذ إن الاستقرار السياسي الداخلي والنمو الاقتصادي المطرد وفرا للقرار الدبلوماسي استقلالية كافية للمناورة؛ ما جعل من الرباط حليفا موثوقا قادرا على ربط الفضاءات الجيوسياسية المختلفة، من المتوسط إلى الأطلسي وصولا إلى العمق الأفريقي، في منظومة متكاملة من المصالح المشتركة”.

وخلص البراق شادي عبد السلام إلى أن “التحدي الأكبر الذي يواجه هذا التوجه المغربي يتمثل في كيفية الحفاظ على مسافة متساوية واتزان استراتيجي وسط استقطاب دولي حاد وصراع محتدم بين القوى العظمى على الموارد والنفوذ، مع الاستمرار في مواجهة الأجندات التخريبية”، مشيرا إلى أن “اضطراب النظام العالمي الحالي يفرض ضغوطا متزايدة على الدول التي تتبنى أدوارا قيادية، خاصة مع تصاعد النزعات القومية وتراجع العمل المتعدد الأطراف لصالح التحالفات الضيقة”.

خبرات عملية ومصالح استراتيجية

من جانبه، أكد هشام معتضد، باحث في الشؤون الاستراتيجية، أن “ترؤس المغرب للجنة بناء السلام التابعة للأمم المتحدة لا يمكن قراءته كمنصب بروتوكولي؛ بل كتموقع داخل ‘هندسة ما بعد النزاع’ في النظام الدولي”، لافتا إلى أن “هذه اللجنة تُعد إحدى الأدوات القليلة داخل الأمم المتحدة التي تربط بين الأمن والتنمية وإعادة الإعمار، أي بين إدارة الأزمات وإعادة تشكيل الدول الهشة.. وبالتالي فإن دخول المغرب إلى هذا المستوى يعني انتقاله من منطق التفاعل مع الأزمات إلى منطق التأثير في كيفية إنهائها وإعادة تركيبها”.

وتابع معتضد، في حديث مع هسبريس، بأن “هذا الموقع يتيح للمغرب التأثير في توزيع الموارد الدولية المرتبطة بإعادة الإعمار وبناء السلام، وهي مسألة جوهرية في تشكيل موازين النفوذ داخل مناطق ما بعد النزاع، خاصة في إفريقيا. بمعنى آخر، نحن أمام انتقال من دبلوماسية التمثيل إلى دبلوماسية إعادة هندسة البيئات الاستراتيجية”.

واعتبر أن “هذا التحول لم يحدث فجأة، بل هو نتيجة تراكم ثلاثي الأبعاد: ميداني، مؤسساتي، ورؤيوي. فعلى المستوى الميداني، راكم المغرب خبرة عملية عبر مشاركته في بعثات حفظ السلام؛ ما منحه فهما دقيقا لتعقيدات النزاعات الهجينة. وعلى المستوى المؤسساتي، طوّر أدوات داخلية في مجالات الحكامة الترابية والتنمية المندمجة، يمكن تحويلها إلى نماذج قابلة للتكييف خارجيا”.

وزاد الباحث في الشؤون الاستراتيجية قائلا: “أما على المستوى الرؤيوي، فقد تبنى المغرب مقاربة تعتبر أن الأمن لا يُبنى فقط عبر الردع، بل عبر تقليص أسباب الهشاشة: الفقر، ضعف المؤسسات، والفراغات الجيوسياسية. هذه المقاربة تلتقي مع التحول داخل الأمم المتحدة نحو ما يسمى ‘استدامة السلام’، وهو ما سمح للمغرب بالتموقع ليس فقط كمنفذ للسياسات، بل كمساهم في صياغتها. وبعبارة أكثر تقنية، المغرب انتقل من ‘فاعل ضمن النظام’ إلى ‘فاعل يؤثر في معايير اشتغال النظام’؛ فهو لا يكتفي بالمشاركة في الآليات القائمة، بل يسعى إلى إعادة تعريف أولوياتها، خاصة في الربط بين الأمن والتنمية والسيادة الوطنية، وهو ما يجعل وصف المهندس أقرب إلى الدقة من وصف المشارك”.

وفي حديثه هو الآخر عن التحديات التي تواجه هذا المسار المغربي، أبرز أن “التحدي يتمثل في إدارة التوازن داخل نظام دولي يتجه نحو الاستقطاب الحاد. فمجالات بناء السلام أصبحت ساحة تنافس غير مباشر بين القوى الكبرى، حيث تسعى كل قوة إلى فرض نموذجها في إدارة الأزمات وإعادة الإعمار. في هذا السياق، يجد المغرب نفسه مطالبا بالحفاظ على موقعه كفاعل توافقي، دون الانزلاق إلى محاور صلبة قد تقيد هامش حركته”.

وأوضح معتضد أن “هناك تحديا آخر مرتبطا بخطر ‘تسييس بناء السلام’، حيث تتحول بعض الآليات الأممية إلى أدوات صراع نفوذ، بدل أن تبقى فضاءات محايدة لإعادة الاستقرار. هنا، على المغرب أن يوازن بين الدفاع عن مصالحه الاستراتيجية، والحفاظ على صورته كوسيط موثوق قادر على العمل مع مختلف الأطراف. أما التحدي الثالث فهو مرتبط بالقدرة على تحويل هذا التموضع الدبلوماسي إلى نتائج ملموسة على الأرض”، مبرزا أن “نجاح المغرب في هذا المسار سيعتمد على قدرته على الجمع بين البراغماتية الجيوسياسية والابتكار المؤسسي، أي أن يكون فاعلا مرنا داخل نظام متصلب، ومهندسا قادرا على العمل داخل فضاء دولي يتسم بعدم اليقين”.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *