قدّم عبد الرحيم بوعيدة، النائب البرلماني عن الفريق الاستقلالي، قراءة نقدية حادة للوضع السياسي الراهن، مركّزًا على ما وصفه بتشابه خطابات الأحزاب السياسية وتراجع قدرتها على إنتاج الفعل السياسي والمعنى داخل المشهد العام، وذلك في سياق نقاش أوسع حول الاستحقاقات المقبلة لسنة 2026.
بوعيدة الذي تحدث في البداية بنبرة مزدوجة بين الأكاديمي والسياسي، عبّر عن تردده في اختيار “القبعة” التي يتحدث بها، قائلاً إنه لا يدري إن كان سيتكلم كأستاذ جامعي أو كفاعل سياسي أو كأستاذ جامعي داخل السياسة، قبل أن ينتقل إلى جوهر مداخلته المرتبط بالنصوص القانونية والاستحقاقات الانتخابية المقبلة، معتبراً أن هذه الاستحقاقات “ليست عادية” بل تأتي في سياق وطني غير مسبوق.
وفي هذا السياق، ربط المتحدث المرحلة المقبلة بملف الحكم الذاتي، وما يتطلبه من فاعلين سياسيين يفهمون الأبعاد الجيوسياسية لهذا الخيار، مشدداً على أن النصوص القانونية، رغم أهميتها في التنظيم، لا تكفي وحدها لصناعة الحياة السياسية. وأوضح أن المجتمع، في كل مرة يواجه فيها أزمة، يعود إلى النص القانوني، سواء الجنائي أو الانتخابي، غير أن هذا العودة لا تعوض غياب الفعل السياسي الحقيقي.
وانتقل بوعيدة إلى نقد مباشر لطبيعة الخطاب السياسي داخل المغرب، مستحضراً ملاحظة أستاذ في علم الاجتماع تحدث عن مرحلة كانت فيها الأحزاب تنتج خطاباً سياسياً قوياً وتنافس الفاعل المركزي، قبل أن يتساءل: من أين تأتي النصوص القانونية اليوم، ليجيب بأن وزارة الداخلية هي من تتكفل بذلك، في إشارة إلى تراجع المبادرة التشريعية الحزبية. كما تساءل عن عجز الأحزاب عن إنتاج ميثاق سياسي بينها بشكل بسيط، رغم أنها يفترض أن تكون فاعلاً مركزياً في صياغة القواعد.
وفي جزء آخر من مداخلته، ربط بوعيدة بين الأزمة السياسية والسياق الاجتماعي، مشيراً إلى أن المواطن المغربي اليوم يعيش انشغالات معيشية ضاغطة، خصوصاً في ظل ظروف اقتصادية صعبة، مثل القدرة على اقتناء أضحية العيد، متسائلاً عن مدى إمكانية أن يصوت مواطن مثقل بهذه الهموم على برامج سياسية، معتبرا أن الواقع يكشف عن أزمة وعي وتراجع في النقاش العمومي، بل وعن تحول السياسة من ممارسة قيمية إلى ممارسة أقرب إلى “الحرفة”.
كما وجه انتقادات حادة لأداء المؤسسة التشريعية، معتبراً أن البرلمانيين والوزراء باتوا يتحركون في دائرة من الأسئلة والأجوبة المكتوبة سلفاً، دون تفاعل حقيقي، مما يفرغ العمل البرلماني من محتواه الرقابي. وذهب إلى حد القول إن هذا الوضع يجعل البرلمان يبدو “مملًا” ويفتقر للحيوية، وهو ما قد يفسر، بحسبه، حالات الفتور داخل الجلسات التشريعية.
وفي سياق نقده للنخب السياسية، توقف عند مسألة تشابه الخطابات الحزبية، مؤكداً أن المواطن اليوم لم يعد يميز بين اليمين واليسار، وأن الخطاب السياسي أصبح متقارباً إلى درجة فقدان التمايز الأيديولوجي، قائلاً إن “اليسار لم يعد يساراً واليمين لم يعد يميناً”، في إشارة إلى تلاشي الفوارق التقليدية التي كانت تؤطر المشهد الحزبي.
وتطرق بوعيدة أيضاً إلى أزمة المشاركة الانتخابية، معتبراً أن الفئات الأكثر مشاركة في التصويت اليوم توجد في العالم القروي، بينما يعزف جزء كبير من المثقفين وساكنة المدن عن التسجيل أو التصويت، وهو ما يخلق، حسب تعبيره، خللاً في التمثيلية السياسية. وربط هذا الوضع بتراكمات طويلة من الفقر والتهميش والتجهيل، التي ساهمت فيها، وفق تصوره، الأحزاب السياسية المتعاقبة.
ولم يتردد المتحدث في توجيه نقد قاسٍ لما وصفه بسلوكيات داخل المجتمع، مستعملاً تعبيرات دارجة مثل “ثقافة الهمزة” و”الشناقة”، ليربطها بانتشار منطق الربح السريع داخل السياسة والمجتمع على حد سواء، معتبراً أن هذا النموذج يعكس خللاً عميقاً في القيم السائدة.
وفي سياق آخر، أثار بوعيدة مسألة غياب سؤال “من أين لك هذا” في النقاش العمومي، معتبراً أن هذا السؤال، لو طُبق بجدية، لكان كفيلاً بتغيير الكثير داخل الحياة السياسية، مشيراً إلى أن قانون الإثراء غير المشروع تم سحبه، رغم أهميته في تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما دعا إلى ضرورة بناء مجتمع مدني قوي ومستقل، غير خاضع لمنطق التمويل السياسي، محذراً في الوقت نفسه من تحول بعض الجمعيات إلى أدوات للارتزاق، في ظل ارتباطها بمصالح فاعلين سياسيين. وشدد على أن المطلوب هو مجتمع مدني يملك رؤية مستقلة تجاه الوطن، لا مجرد امتداد للأحزاب أو مصالحها.
وفي ختام مداخلته، وجه بوعيدة نداءً مباشراً إلى الأساتذة الجامعيين للانخراط في العمل السياسي، لكنه في الوقت نفسه حذر من فقدان الاستقلالية الأكاديمية، منتقداً تحول بعض المثقفين إلى ما وصفه بـ”الكتّاب العموميين لدى السياسيين” أو “الطبّالين”، مؤكداً أن دخول الأستاذ الجامعي إلى السياسة ممكن ومشروع، لكنه مشروط بالحفاظ على الكرامة والمصداقية.
وختم المتحدث مداخلته بالتأكيد على أن انتخابات 2026 تشكل محطة مفصلية وحقيقية، داعياً إلى التعامل معها بوضوح ومسؤولية، ومشدداً على أن الأزمة السياسية الحالية تتطلب مراجعة عميقة، في ظل ما اعتبره تشابهاً متزايداً في الخطابات وتراجعاً في الحيوية السياسية داخل البلاد.
Views: 0