هيئة النزاهة: مكافحة الفساد بالمغرب تواجه تحديات التنسيق والانتقال من الالتزامات إلى النتائج

أكدت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أن مكافحة الفساد بالمغرب لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بوتيرة تنفيذ الإصلاحات، والتفاوت في مستويات الامتثال والتفاعل بين القطاعات والمؤسسات، إلى جانب الحاجة إلى تعزيز التنسيق والالتقائية بين مختلف المتدخلين، والانتقال من الالتزامات والبرامج إلى تحقيق نتائج ملموسة وقابلة للقياس.

وأبرزت الهيئة، في تقريرها السنوي برسم سنة 2025، أن المغرب راكم مكتسبات تشريعية ومؤسساتية مهمة في مجال النزاهة ومحاربة الفساد، غير أن هذه المكتسبات تظل مطالبة بتحقيق أثر فعلي على مستوى حياة المواطنين، وجودة الخدمات العمومية، ومناخ الأعمال، وحماية المال العام.

واعتبرت الهيئة أن سنة 2025 شكلت محطة مهمة في مسارها المؤسساتي، ليس فقط من حيث حجم الأنشطة والبرامج المنجزة، وإنما باعتبارها مرحلة للانتقال من استكمال البناء المؤسساتي إلى ترسيخ موقعها في قيادة المنظومة الوطنية للنزاهة، من خلال اعتماد مقاربة تجعل المعرفة والتقييم والاستشراف والتنسيق المؤسساتي أدوات أساسية لتوجيه السياسات العمومية وتعزيز فعاليتها.

وشدد التقرير على أن الفساد لا يمكن التعامل معه باعتباره حالات فردية معزولة، بل هو ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل قانونية ومؤسساتية واقتصادية وثقافية وتكنولوجية، ما يستدعي اعتماد مقاربة شمولية ومندمجة تجمع بين الوقاية والكشف والزجر والتقييم والتحسيس وبناء القدرات، عوض الاكتفاء بتدخلات قطاعية متفرقة.

استراتيجية 2025-2030

وفي هذا السياق، شكل إعداد الاستراتيجية الخماسية للهيئة للفترة الممتدة بين 2025 و2030 أحد الأوراش الأساسية خلال السنة الماضية، إذ تقوم على تعزيز الريادة المعيارية والاستشرافية، والوقاية الذكية، والتكامل المؤسساتي، والانخراط المجتمعي، والتحول الرقمي، إلى جانب تطوير الجاهزية المؤسساتية.

كما عملت الهيئة على تطوير أدوات الرصد والقياس والتحليل والاستشراف والإنذار المبكر، مع توظيف إمكانات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتطوير أنظمة الحكامة والجودة والتدقيق وتدبير المخاطر، بما يسمح بالانتقال من مجرد تتبع ظاهرة الفساد إلى فهمها وتحليلها واستباق مخاطرها.

وأكد التقرير أن محاربة الفساد ينبغي ألا تظل مقاربة تفاعلية لا تتحرك إلا بعد وقوع الاختلالات، بل يتعين أن تتحول إلى سياسة عمومية مستمرة تقوم على التخطيط والتتبع والتقييم وقياس الأثر، بما يضمن توجيه الإصلاحات نحو نتائج واضحة وقابلة للقياس.

مسؤولية جماعية تتجاوز المؤسسات

وفي ما يتعلق بأدوار الفاعلين، شددت الهيئة على أن مكافحة الفساد ليست مسؤولية مؤسسة واحدة أو هيئة بعينها، بل هي مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة ومؤسساتها والمجتمع بمختلف مكوناته، مبينة أن ذلك يفرض تعزيز الالتقائية والانسجام بين السياسات والمبادرات والبرامج المرتبطة بالنزاهة والحكامة.

وفي هذا الإطار، أبرزت الهيئة أهمية مواصلة الحكومة قيادة الإصلاحات القطاعية وترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية في السياسات العمومية، مع العمل على تحويل المعارف والتوصيات إلى قرارات وإصلاحات ذات أثر ملموس، إلى جانب دور السلطة القضائية في ترسيخ سيادة القانون وضمان المساءلة الفعلية.

كما دعت إلى تعزيز أدوار هيئات الرقابة والحكامة في التقييم والافتحاص وتقديم المقترحات، وتطوير أنظمة الامتثال والنزاهة والشفافية داخل القطاع الخاص، فضلا عن تثمين مساهمة المجتمع المدني والإعلام والمواطنين في اليقظة المجتمعية ومناهضة الفساد.

وخلصت هيئة النزاهة والوقاية من الرشوة إلى أن الرهان الأساسي يتمثل في تحويل النصوص والمؤسسات والمبادرات إلى ممارسات يومية ونتائج ملموسة، بما يقتضي الانتقال من الالتزام إلى التنفيذ، ومن البرامج إلى النتائج، ومن التدخلات المتفرقة إلى العمل الجماعي المنسق، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات ويحسن جودة الخدمات العمومية ويحمي المال العام.

Views: 0

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.