واشنطن وباريس تدينان هجمات السمارة وتؤكدان دعم الحل الأممي

في سياق دولي متصاعد الحساسية حول تطورات ملف الصحراء، جاءت الإدانات الأمريكية والفرنسية للهجمات التي استهدفت محيط مدينة السمارة لتعيد تسليط الضوء على التحولات في مقاربة القوى الكبرى للنزاع، وعلى طبيعة التعاطي مع أي تصعيد ميداني تعتبره هذه العواصم تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي ومسار التسوية.

في أول رد فعل رسمي من الولايات المتحدة الأمريكية على الهجمات التي استهدفت محيط مدينة السمارة، أدانت بعثة واشنطن لدى الأمم المتحدة القصف الذي نفذته جبهة البوليساريو الانفصالية، معتبرة أن هذه الأعمال من شأنها أن تهدد الاستقرار في المنطقة وتقوّض التقدم الذي تم إحرازه على طريق تسوية النزاع.

وأوضحت البعثة الأمريكية، في بيان نشرته على حسابها الرسمي على منصة “إكس”، أن هذه التحركات تتعارض مع روح المشاورات الأخيرة التي احتضنتها العاصمة واشنطن يومي 23 و24 فبراير الماضي، والتي انصبت على دعم التهدئة وإحياء المسار السياسي تحت إشراف الأمم المتحدة.

وأكدت الولايات المتحدة في السياق ذاته أن الوقت قد حان لوضع حد لهذا النزاع المستمر منذ خمسة عقود، مجددة دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدمت بها المملكة المغربية، والتي اعتبرها قرار مجلس الأمن رقم 2797 مسارا عمليا نحو تسوية نهائية للنزاع في الصحراء، مع الدعوة إلى انخراط جميع الأطراف بجدية في بناء مستقبل أكثر استقرارا، والتأكيد على أن الوضع الراهن لم يعد قابلا للاستمرار.

وفي موقف موازٍ، أدانت فرنسا بشدة الهجوم الذي أعلن عنه من طرف جبهة البوليساريو واستهدف مدينة السمارة يوم الاثنين 5 ماي، والذي أسفر عن إصابة مدني.

وقالت البعثة الدائمة لفرنسا لدى الأمم المتحدة، في بيان على منصة “إكس”، إن هذه الأعمال العدائية تمثل تهديدا مباشرا للاستقرار الإقليمي، وتضع المسار السياسي الذي حدده مجلس الأمن في قراره رقم 2797 أمام مخاطر حقيقية قد تعرقل تقدمه.

وشددت فرنسا على ضرورة احترام وقف إطلاق النار والالتزام بالقرارات الأممية ذات الصلة، معتبرة بدورها أن الوقت قد حان لإنهاء هذا النزاع الممتد منذ سنوات طويلة، مع التأكيد على دعم الجهود الأممية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي.

كما جددت باريس موقفها القائل إن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تشكل الإطار الأكثر جدية وواقعية لأي تسوية مستقبلية، باعتبارها أساسا كفيلا بإرساء سلام دائم وعادل ومقبول من مختلف الأطراف.

وفي السياق نفسه، دعت البعثة الفرنسية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المينورسو، بتنسيق مع السلطات المغربية، إلى فتح تحقيق شامل في ملابسات هذه الهجمات، مع الإشادة بدورها الميداني في ظرفية تتسم بالحساسية على مستوى المنطقة.

عبد العالي سرحان، الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، اعتبر أن هذه المواقف الأمريكية والفرنسية تعكس تحولا واضحا في طريقة التعامل الدولي مع ملف الصحراء، حيث لم يعد التعاطي يقوم على الحياد التقليدي بقدر ما أصبح يرتكز على مقاربة تربط بين أي تحرك ميداني خارج منطق وقف إطلاق النار وبين تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي، وهو ما يعيد صياغة طريقة فهم سلوك الأطراف داخل هذا النزاع.

وأضاف أن الدلالة الأبرز لهذه المواقف تكمن في انتقال الخطاب من مستوى التباين في وجهات النظر إلى مستوى تحميل المسؤولية السياسية والأمنية، حيث يتم التعامل مع الأحداث بوصفها أفعالا ذات أثر مباشر على مسار التسوية، وليس مجرد وقائع معزولة، وهو ما ينعكس على إعادة ترتيب موقع الأطراف داخل النقاش الأممي.

وأبرز أن هذا التحول يضع جبهة البوليساريو أمام وضع دبلوماسي أكثر تعقيدا، لأن كل ربط لاسمها بسلوك يُقرأ دوليا كعامل زعزعة للاستقرار يؤدي إلى تقليص هامش تحركها السياسي، ويؤثر على صورتها كطرف تفاوضي داخل المنظومة الدولية.

ويرى أن التركيز المتكرر على مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر جدية وواقعية للحل يعكس توجها دوليا نحو تقليص البدائل المطروحة، وإعادة بناء ميزان الشرعية السياسية داخل مجلس الأمن لصالح مقاربة محددة، وهو ما يجعل الخطاب المضاد أقل قدرة على التأثير وأكثر صعوبة في كسب الدعم.

وأكد أن الخلاصة الأساسية هي أن كلفة أي تصعيد ميداني أو رمزي أصبحت أعلى بكثير في المرحلة الحالية، سواء على مستوى الصورة السياسية أو على مستوى القدرة الفعلية على التأثير في مسار التفاوض، مع تصاعد منطق يعتبر الاستقرار أولوية دولية ويحمّل الأطراف مسؤولية مباشرة عن أي إخلال به.

Views: 0

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.