مجلس المستشارين يكشف حصيلة “غير مسبوقة” ومقترحات القوانين تفوق مبادرات الحكومة

تمكن مجلس المستشارين طيلة أشغال الدورة التشريعية الربيعية من السنة التشريعية الخامسة من عقد عشر (10) جلسات عامة تشريعية، تمت خلالها المناقشة والتصويت على 108 نصا قانونيا؛ منها 55 مقترح قانون، و53 مشروع قانون، من بينها 3 مشاريع قوانين تنظيمية، ما اعتبره المجلس حصيلة “غير مسبوقة” في تاريخ مجلس المستشارين بتفوق مقترحات القوانين على مشاريع القوانين، وذلك في وقت طرح فيه مستشارو الغرفة الثانية للبرلمان، خلال نفس الدورة، ما مجموعه 458 سؤالا شفهيا و401 سؤالا كتابياً.

وأوضح رئيس مجلس المستشارين، محمد ولد الرشيد، في الكلمة التي ألقاها بمناسبة اختتام أشغال الدورة التشريعية الربيعية، اليوم الإثنين، أن هذه الدورة انعقدت في ظرفية دولية وإقليمية استثنائية، اتسمت بدرجة عالية من الدقة والحساسية، في ظل تحولات جيو- استراتيجية متسارعة، وتوترات متفاقمة، لا سيما بمنطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، وما ترتب عنها من أوضاع إنسانية صعبة، وانعكاسات مباشرة على الأمن والاستقرار والاقتصاد العالمي.

وقد أبرزت هذه التطورات، وفق رئيس الغرفة الثانية للبرلمان، إلى جانب استمرار تداعيات الأزمات الدولية الأخرى، وفي مقدمتها استفحال آثار التغيرات المناخية، هشاشة عدد من التوازنات الاقتصادية والاجتماعية، وأكدت الحاجة إلى اعتماد نماذج تنموية أكثر قدرة على الصمود والتكيف، وأكثر استعدادا لاستشراف تحديات المستقبل ومواجهتها بكفاءة وفعالية.

وسجل ولد الرشيد أن اختتام هذه الدورة البرلمانية يكتسي رمزية خاصة، إذ يتزامن مع استعداد بلادنا، بعد أيام قليلة، لتخليد الذكرى السابعة والعشرين لتربع الملك محمد السادس، على عرش أسلافه المنعمين.

وتمثل هذه المناسبة الوطنية الغالية، وفق الكلمة عينها، فرصة متجددة لاستحضار ما حققته المملكة، في ظل العهد المحمدي الزاهر، من مكتسبات نوعية، وإصلاحات هيكلية، وأوراش استراتيجية كبرى، أسهمت في ترسيخ النموذج التنموي الوطني، القائم على الاستقرار، والإصلاح المتدرج، والطموح الجماعي المتواصل نحو مستقبل أكثر ازدهارا ورخاء.

وتابع ولد الرشيد أن هذه المناسبة تشكل فرصة لتجديد أواصر البيعة والولاء بين العرش العلوي المجيد والشعب المغربي الوفي، وتأكيد العزم الجماعي على مواصلة مسيرة البناء والتنمية، تحت قيادة الملك محمد السادس.

وبخصوص الحصيلة التشريعية للدورة الربيعية، أورد المصدر ذاته أن المجلس بلغ رقما غير مسبوق من حيث عدد النصوص التي يتم البت فيها خلال دورة تشريعية واحدة وذلك منذ إحداث مجلس المستشارين، كما أنها الدورة الأولى التي يفوق فيها عدد مقترحات القوانين المرفوعة إلى الجلسة العامة عدد مشاريع القوانين، ويأتي ذلك في إطار الالتزام الجماعي لمكونات مجلس المستشارين للبت في المبادرات التشريعية لأعضاء مجلسي البرلمان، وخلق دينامية حقيقية ترمي إلى تثمين هذه المبادرة وتشجيعها.

أما على المستوى الموضوعي، تابع ولد الرشيد أن النصوص الموافق عليها خلال هذه الدورة حملت معها إصلاحات أساسية على مستوى عدد من القطاعات الحيوية، تعلقت على وجه خاص بـإصلاح قطاع المؤسسات العمومية، لاسيما عبر إعادة هيكلة بعض المؤسسات وتحويلها إلى شركات مساهمة، بما فيها الوكالة الوطنية للموانئ، والمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، إضافة إلى الوكالات الجهوية للتنمية في إطار تعديل القانون التنظيمي للجهات، وكذا إحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان، إلى جانب تحيين القانون المتعلق بالوكالة الوطنية للسلامة الطرقية.

كما وافق المجلس خلال الدورة، جسب الكلمة عينها، على نصوص تروم تطوير نظام الإحصاء الوطني وبتحويل المندوبية السامية للتخطيط إلى هيئة مستقلة للحكامة الجيدة، بالإضافة إلى سن مقتضيات جديدة تهم القطاع البنكي تتوخى تعزيز نظام الوقاية من المخاطر المالية وتسويتها، فضلا عن الموافقة على نصوص تدخل في مجال الإدارة وتدبير بعض مؤسسات التعليم العالي، من خلال تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالمناصب العليا وتغيير وتتميم القانون المتعلق بإحداث المدرسة الوطنية للإدارة، وكذا تطوير اختصاصات الوكالة الوطنية لتقييم وضمان جودة التعليم العالي والبحث العلمي والمركز الوطني للبحث العلمي، وحل وتصفية الوكالة الوطنية للنباتات الطبية والعطرية.

وأورد المصدر ذاته أن ملف حكامة القطاع الصحي وملاءمة بعض القوانين ذات الصبغة الاجتماعية حظي بحيز وافر من النقاش، ما أسفر عن الموافقة على تعديل قوانين تتعلق بتنظيم الأجهزة المسيرة لمهنة الطب، ولمدونة الأدوية والصيدلة، ولنظام الدعم الاجتماعي المباشر، ومدونة الشغل بالنسبة لحراس الأمن الخاص، والتدابير المتخذة لتشجيع المنشآت التي تقوم بالتكوين من أجل الإدماج.

ولفت ولد لرشيد إلى أن المجلس وافق كذلك على نصوص تهدف إلى تنظيم مهن الخبراء القضائيين والعدول والمحاماة، وإلى إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة وتغيير القانون الخاص بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين، وصادق على عدد من مشاريع القوانين المتعلقة بالموافقة على اتفاقيات دولية في مجالات حيوية، بالإضافة إلى الموافقة التامة على آخر قانون تنظيمي منصوص عليه في دستور 2011، يتعلق بتحديد شروط وكيفيات الدفع بعدم دستورية قانون، بجانب عدد آخر من النصوص على غرار مشروع القانون المتعلق بحماية الحيوانات الضالة ورعايتها والوقاية من أخطارها، ومشروع قانون التصفية المتعلق بتنفيذ قانون المالية لسنة 2024، ومشروع القانون المرتبط بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات وعمليات التهيئة الكبرى ذات النفع العام.

وفي هذا الشأن، أشاد رئيس مجلس المستشارين بـ”المجهودات الكبيرة وانخراط السيدات والسادة أعضاء المجلس في مناقشة وتجويد جميع مقترحات ومشاريع النصوص المعروضة، وتسجيل مساهمتهم القيّمة في تجويد النصوص الموافق عليها، ما أثمر تقديم 1077 تعديل على النصوص القابلة منها للتعديل تم قبول 115 منها”.

وبالنسبة للحصيلة الرقابية لمجلس المستشارين في هذه الدورة، أورد ولد الرشيد أن القضايا الاجتماعية والترابية والمجالية والقضايا الاقتصادية، استأثرت على جدول أعمال الجلسات الرقابية بصفة عامة، حيث يبرز بشكل ملحوظ، خلال هذه الجلسات، اهتمام أعضاء المجلس بإشكاليات قطاعي الصحة والتعليم، وقضايا العالم القروي والتجهيز والبنيات التحتية الأساسية، وملفات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وتابع: هكذا، فقد بلغ عدد الأسئلة الشفهية المتوصل بها خلال دورة أبريل 2026 ما مجموعه 458 سؤالا شفهيا، أجابت الحكومة على 264 سؤالا منها في 12 جلسة عامة تم خلالها مساءلة 24 قطاعا حكوميا، توزعت بين 86 سؤالا آنيا و178 سؤالا عاديا. 

وبالإضافة إلى ذلك، يواصل ولد الرشيد، أنه تم تسجيل التزامات جديدة لأعضاء من الحكومة تفيد التعهد بالتفاعل مع عدد من القضايا والمطالب المطروحة في جلسات الأسئلة الشفهية، فضلا عن استمرار التوصل بأجوبة على التعهدات المرصودة خلال دورات سالفة من عدد من أعضاء السيدات والسادة الوزراء، مبرزاً أنه بالنسبة للأسئلة الكتابية المطروحة خلال الدورة، فقد بلغت ما مجموعه 401 سؤالا، أجابت الحكومة على 174 سؤالا منها، تشمل أسئلة من الدورة المنتهية وأخرى من الدورات السابقة.

وعلى مستوى تتبع ملفات السياسة العامة، أفاد ولد الرشيد أن هذه الدورة شكلت مناسبة لتقديم ومناقشة الحصيلة المرحلية للحكومة، وكذا مناقشة عرض السيدة الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات حول أعمال المحاكم المالية برسم 2024-2025. كما تناول المجلس في إطار الجلسة الشهرية للأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة موضوع “الأمن الغذائي”، وخصص الجلسة السنوية لتقييم “السياسات العمومية في مجال مواجهة آثار التغيرات المناخية ومدى جاهزية المتدخلين للتعامل معها”.

وحرصت اللجان الدائمة من جانبها، وفق المصدر عينه، على مناقشة ومتابعة الاختيارات الأساسية المتعلقة بعدد من الأوراش، تمخض عن ذلك من زيارة لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية للمدينة الدولية للإنتاج السينمائي بورزازات، وبرمجة لجنة الداخلية والجماعات الترابية والبنيات الأساسية لزيارة ميدانية إلى ميناء الدار البيضاء. مع الملاحظة بأن العمل التشريعي بقي مستحوذا على مجمل حصيلة عمل اللجان الدائمة، حيث وصلت الاجتماعات المنعقدة إلى 61 اجتماعا، بمدة زمنية قاربت 110 ساعة عمل، بما فيها اجتماع لجنة المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية المتعلق بإخبار اللجنة بفتح اعتمادات إضافية برسم السنة المالية 2026 بمرسوم.

وفي ما يتعلق بالدبلوماسية البرلمانية، أشار ولد الرشيد أن مجلس المستشارين، خلال هذه الدورة، واصل وبانخراط فاعل لجميع مكوناته، ترسيخ حضوره في مختلف الهيئات البرلمانية الإقليمية والقارية والدولية، وتعزيز التعاون البرلماني الثنائي ومتعدد الأطراف، بما يتماشى والتوجيهات السامية للملك محمد السادس، المؤطرة للعمل الدبلوماسي الوطني، حيث تميزت هذه الفترة بمبادرات برلمانية دبلوماسية نوعية، مكنت البرلمان المغربي من تعزيز مكانته داخل المنظومة البرلمانية الدولية، وجعلت منه فاعلا مؤسساتيا مواكبا لجهود المملكة المغربية، في دعم إشعاعها إقليميا ودوليا، وتكريس تفرد نموذجها التنموي، والدفاع عن مصالحها العليا، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية لبلادنا.

وفي هذا الإطار، وعلى مستوى تعزيز التعاون البرلماني الدولي، أشار إلى أن مشاركتنا على رأس وفد برلماني، في أشغال الجمعية العامة ال152 للاتحاد البرلماني الدولي، المنعقدة بمدينة إسطنبول بتركيا، شكلت محطة بارزة في هذا مسار، بالنظر إلى المستوى الرفيع للمشاركات والمشاركين وأهمية القضايا التي تمت مناقشتها، في ظل سياق دولي مطبوع بتفاقم الأزمات متعددة الأبعاد.

وأضاف أنه على هامش أشغال الجمعية العامة، أجرينا سلسلة من المباحثات مع عدد من رؤساء البرلمانات الوطنية، ومجالس الشيوخ، والاتحادات البرلمانية، ويتعلق الأمر بكل من رئيس مجلس الشيوخ البلجيكي، ورئيس مجلس الشيوخ النيجيري، ورئيسة مجلس الشيوخ الإيسواتيني، ورئيس البرلمان الغاني، ورئيس المجلس الاستشاري لإعادة التأسيس للنيجر، ورئيس الجمعية الوطنية الجيبوتية، ورئيس الجمعية الوطنية المالاوية، ورئيس مجلس اتحاد جزر القمر، ورئيس مجلس النواب الإيفواري، ورئيس المجلس الوطني الاتحادي الإماراتي، ورئيس مجلس النواب البحريني، ورئيسة الجمعية الوطنية الأذربيجانية، ورئيسة مجلس النواب المكسيكي، ورئيس مجلس النواب الدومينيكاني، ورئيس برلمان أمريكا اللاتينية والكراييب، ورئيس برلمان السوق المشتركة لأمريكا الجنوبية، ونائب رئيس مجلس الشيوخ الكمبودي.

وفي هذا السياق، سجل ولد الرشيد أن المجلس أولى أهمية خاصة لمواصلة الترافع عن القضية الوطنية، حيث تم التأكيد، في مختلف اللقاءات الثنائية، على وجاهة المبادرة المغربية للحكم الذاتي، باعتبارها الحل الوحيد والأوحد لتسوية النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية، مع التشديد على أن هذه المبادرة أصبحت اليوم، بفضل القيادة الحكيمة لجلالته حفظه الله، واقعا سياسيا راسخا ومرجعا أمميا معتمدا، من خلال قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2797 والذي يعكس القناعة المتنامية لدى المنتظم الدولي بأن الحل في الصحراء المغربية لا يمكن أن يكون إلا في إطار السيادة الوطنية الكاملة. 

وتوجت هذه اللقاءات، حسب المصدر عينه، بالتوقيع على عدد من مذكرات التفاهم المشتركة، تؤسس لشراكات برلمانية مستدامة، وذلك مع كل من مجلس الشيوخ الكمبودي، والجمعية الوطنية الأذربيجانية، والجمعية الوطنية الجيبوتية، والبرلمان المالاوي، ومن جهة أخرى، شاركنا في أشغال مؤتمر الشبكة البرلمانية لحركة عدم الانحياز، الذي انعقدت على هامش الجمعية العامة للاتحاد البرلماني الدولي.

Views: 0

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.